8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

اختار الإتحاد الأوروبي لكرة القدم يويفا كلمة رسبكت (إحترام) شعاراً لبطولة الأمم الأوروبية للعام 2012. بدا ذلك الاختيار تدبيراً وقائياً من المنظمين لما ينتظرهم في الملاعب وخارجها، في ساحات المدن الأوكرانية والبولونية. فإلى وارسو وكييف وغدانسك وبوزنان وخاركوف ولفوف وغيرها أتى أساساًَ مئات الآلاف من جمهور 16 بلداً أوروبياً تشارك فرقها في المنافسة، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الجنسيات الأخرى، ويضاف إليهم سياح كرة القدم الآتون من خارج أوروبا. كل هؤلاء بألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم معاً في المدرجات والفنادق والمطاعم والمقاهي وعلى الأرصفة، وفي محطات القطار وقاعات المطارات والميادين العامة، متوزعون بشعاراتهم وأعلام دولهم، شاهرون هوياتهم القومية معلنون تعصبهم الكروي لهذا الفريق الوطني أو ذاك. وطنيات متجاورة أو متباعدة تتشارك الخارطة الأوروبية بذاكراتها الثقيلة، المشبعة بتواريخ النزاعات أو الحروب أو الكراهية أو الوئام والانسجام... مجتمعة، كما تفعل عادة كل أربع سنوات بمناسبة هذه البطولة.
على الأرجح فان انتقاء شعار احترام يضمر سعياً لاحتواء معان عدة في كلمة واحدة، أو هو شيفرة تخاطب حاجة أوروبية لمواجهة طيف من المشكلات السياسية والثقافية والأخلاقية التي يبرزها اجتماع هكذا جمهور شديد التنوع، ينتمي إلى الفضاء الأوروبي الواسع والمتعدد. فليست العنصرية ضد الأجانب (من غير البيض) هي المشكلة الوحيدة، لكن أيضاً الكراهيات القديمة التي لا تزال رواسبها باقية في نفوس كتل سكانية وازنة، خصوصاً البلقانية منها والشرق أوروبية، كذلك، الخصومات السياسية بين الدول مثل تلك القائمة بين حكومة أوكرانيا وحكومات أوروبا الغربية، عدا الكرامات المجروحة بعد الأزمة الاقتصادية الأوروبية عند اليونانيين.
وإذا كانت شعوب أوروبا الغربية والدول الاسكندنافية تجاوزت الكراهية القومية في ما بينها (فرنسا، اسبانيا، المانيا، بريطانيا، برتغال، ايطاليا.. إضافة إلى السويد والدنمارك والنرويج) فإن روح العداء ما زالت قائمة مثلاُ بين البولنديين والروس. فهؤلاء الأخيرون لم يكونوا موضع ترحيب في شوارع وارسو حيث اندلعت المواجهات العنيفة مع الجمهور البولندي ومع الشرطة البولندية. وإذا كان الجمهور الأوروبي الغربي قد اعتاد وجود اللاعبين السود، أفريقيي الأصل وتجاوز إلى حد كبير السلوك العنصري تجاههم في السنوات العشر الأخيرة، إلا ان بلداناً لا تزال قومية وقليلة المهاجرين مثل كرواتيا وأوكرانيا، ما زال جمهورها لا يتورع عن السلوك والتعبير العنصري كما فعل الجمهور الكرواتي تجاه لاعب الهجوم الإيطالي الأسود ماريو بالوتيللي، الذي هو حسب علمنا أول أسود يلعب في المنتخب الإيطالي. حتى الألمان تجاوزوا الطابع القومي لمنتخبهم منذ أكثر من عقد، ليصبح لاعبوهم متعددي الأعراق.
بعد شعار تقبّلْ العواطف في بطولة أوروبا 2008، جاء شعار احترام ليتناسب مع البعد الأخلاقي السياسي لكرة القدم الأوروبية، بما يتجاوز المفهوم السابق: التسامح. الذي بات يضمر معنى استعلائياً اذ يتنازل المتفوق ويسامح من هو دونه.
مع هذه البطولة ظهرت فوارق كثيرة بين أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية. هي بالأحرى فارق في الأوربة والتدرج في الاندماج الأوروبي. فكرواتيا لم تزل مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، فيما أوكرانيا لا تسعى أساساً للانضمام، كذلك حال روسيا الاتحادية. وهذه الدول الثلاث هي التي أكثر ما أظهرت من عصبية قومية وشغب عنيف وسلوك عنصري في الملاعب وخارجها، كما لو انها عبرت عن روح صدامية مع أوروبا، التي باتت أكثر إلفة مع بعضها البعض، إذ لم تسجل مثلاً أي حادثة بين الالمان والبولنديين في شوارع وارسو.
الظاهرة الأهم هذا العام، في البطولة الأوروبية، هي اكتساب كرة القدم الشعبية النسائية على نحو فعلي وراسخ. فالنسوة كن قبل عقدين على الأقل يشكلن نسبة ضئيلة من جمهور الملاعب، ثم انهن رحن بعد ذلك يرتدن المدرجات بحافز الفضول أو السياحة أو لمواكبة مزاج اجتماعي عمومي ينجرف فيه سكان المدينة أو مواطنو الدولة كلهم. ثم انهن وجدن في اجواء المباريات وما يحدث حول الملعب حالاً كرنفالية واحتفالية للتسلية والاستعراض، من غير انغماس فعلي في ثقافة كرة القدم. لكن الحال في السنوات الأخيرة تبدل كثيراً. فالنسوة والفتيات بتن يثابرن على الحضور والمشاهدة والتشجيع واحتلال المقاعد بنسبة مرتفعة تصل أحياناً إلى نحو أربعين في المئة من الجمهور (حسب احصاءات يويفا الأخيرة) بل إن 33 في المئة من جمهور الدوري الانكليزي هي نسبة حضور الاناث. بعدما كانت النسبة في السبعينات والثمانينات لا تتجاوز الثلاثة في المئة (بهذه المناسبة منعت طهران النساء من دخول الأماكن العامة كالمقاهي والمطاعم لحضور بطولة أوروبا 2012 تلفزيونياً).
بات الجمهور النسوي الأوروبي أكثر حضوراً لـمشاهدة اللعبة، وليس فقط للهو أو للمشاركة بطقس اجتماعي، وأكثر تورطاً في سلوكية التشجيع والحماسة والتمتع باللعب وفنونه. انهن الجمهور الجديد لهذه اللعبة الأولى شعبياً في العالم.
اما فيما يخصنا، فيمكننا القول إن الجزيرة الإخبارية، التي كأنها تقود العالم العربي سياسياً، وتصنع رأيه العام، وتشارك في الثورات... لا يضاهيها فعالية سوى الجزيرة الرياضية التي تملك وحدها الحق الحصري ببث بطولة العالم لكرة القدم وبطولة أبطال الدوري الأوروبي وبطولة الأمم الأوروبية والدوري الاسباني والفرنسي والايطالي.. الخ. فقنواتها هذه تسيطر على العالم العربي وتنشر فيه ثقافة رياضية، تجعل الجمهور العربي وثيق الصلة باليوميات الأوروبية وملاعبها على نحو لا سابق له. ان من يتجول في المدن العربية وضواحيها والارياف سيجد قاسماً مشتركاً واحداً بينها: كيفما تجول سيرى صبياً أو شاباً يرتدي قميص اللاعب ليونيل ميسي أو كريستيانو رونالدو. بل ما من صورة لتظاهرة في الثورات العربية تخلو من صبي أو شاب يرتدي قميص نجم كرة قدم. وهذا يعود إلى فعالية الجزيرة الرياضية واستحواذها على فرجة جل الشباب العربي تماماً كما تفعل الجزيرة الإخبارية.
معلّق الجزيرة الرياضية صرخ منذ أيام الكرة أفيون الشعوب محوّراً عبارة كارل ماركس الشهيرة الدين أفيون الشعوب وقد يكون هذا التحوير ليس مبالغاً كثيراً، طالما أن عدد المدمنين على كرة القدم هم مئات الملايين فيما الذين يتخذونها شغفاً وتعصباً يومياً هم مئات الملايين أيضاً.
وما يخصنا أيضاً، حلمنا المؤجل، أن نعيش يوماً نشهد فيه مئات الآلاف من العراقيين والسوريين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين والخليجيين والمصريين.. الخ. معاً في الساحات العامة، في بلد عربي يستضيفهم، يأتون بالقطارات والطائرات والباصات بحرّية، يجلسون معاً ويسهرون معاً، ويشجعون فرقهم الكروية، كل بلونه ورايته معاً، نساء ورجالاً بلا تمييز... وبـاحترام.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00