8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سنة على الجريمة التي غيّرت لبنان

انقضت سنة على المقتلة التي أودت برفيق الحريري شهيداً مع رفاق له ومواطنين لبنانيين قضوا شهداء أيضاً. يوم 14 شباط 2005 سقطوا جميعهم بجريمة دبرها أولئك الذين ارتضينا، قسراً، أن نسلمهم أمننا وطمأنينتنا، ففرضوا الرعب وعمموا المهانة وأوغلوا في الفساد الى أن صنعوا الجريمة.
سنة انقضت على اليوم الذي شهد فيه لبنان مقتل الحريري وانتفاضة اللبنانيين غضباً وسخطاً. ذاك اليوم الذي شهد حفرة الاغتيال، وشهد أيضاً بركان التمرّد.
مع استشهاده، انتهت حياة رفيق الحريري واكتملت صورته. واتضح فيها ما لم يكن اللبنانيون يعرفونه حق المعرفة. بدا، لأول مرة، أمام مواطنيه واضحاً وصريحاً وقادراً على الجهر بما يعتمل في قلبه وما يحلم به. وفجأة انجلت صورته عاملاً من أجل كرامتهم ورفاهيتهم واستقلالهم، صابراً على كل سوءات الفهم التي تواجهه، وكل الاساءات التي كانت توجه له ولبلاده.
القتلة، في ذاك الحين، كانوا يعرفون حقيقة مشروع رفيق الحريري ووجهته. في الجريمة انكشف الدافع، فأدرك اللبنانيون أنها لحظة الحساب المؤجل. إذ انتهت المهادنة مع الوصاية، وانتهت الاستكانة. فكان في موت رفيق الحريري انتصاره.
من هذه المفارقة المفجعة، الباهظة، ظهرت صورة رفيق الحريري الشهيد، متفوقة على صوره السابقة، المتعددة: رئيس حكومات، زعيم سياسي، مهندس إعمار، ممول بناء، مدبر سلم... إلخ. بات الرجل صانع أبسط المعجزات: اجتماع اللبنانيين على المستقبل الذي كان يراه لهم.
هذا التحقيق هو نتيجة إجابات مكثفة على سؤال محدد: "أنتم كان لكم حذركم أو اعتراضكم أو نقدكم تجاه سياسات الحريري ومشروعه. على أي نحو تبدلت صورة الحريري، بالنسبة إليكم، في لحظة اغتياله وما تلاها؟".
ي. ب.
أحمد بيضون:
لكي يتاح للبنانيين التصرّف بشؤون لبنان
جريمة الاغتيال حملت، ولا ريب، على إعادة بناء إجمالية لصورة الرجل. استُرجعت دفعة واحدة ملامح ومنجزات كانت معروفة، واكتشفت بفعل الجريمة وبعدها بقليل علاقات للرجل لم تكن معروفة، أو لم يكن الناس يقدرونها على الوجه الذي ظهرت عليه. هذا كله صنع صورة مبسطة بالتأكيد، ولكنها غنية جداً مع ذلك، ومتوجهة نحو التمام.
الموت نهاية، لا شك، للانسان الحي، ولكنه منطلق فاجع وقوي لبناء التذكار وللوقوف حياله، والعناية الدائمة باستكمال ملامحه. هذا التذكار يظهر مكتملاً بسرعة، كما قلت، ولكنه عبر السنين موعود بتحولات كثيرة تبعاً للناس والأحوال، حين يكون موعوداً بالبقاء.
والمؤكد ان اغتيال الحريري أحدث تحولاً في مواقف كثير من الناس، منه ومن سياساته. وتفسر الجريمة نفسها بعض هذا التحول، ويفسر بعضه الآخر ما انكشف من وقائع ومعطيات بعد الاغتيال. وخصوصاً هذه المعركة التي بدا أن الرجل كان يخوضها لتحصيل حق لبناني ما في التصرف بالشؤون اللبنانية.
شخصياً لم أكن حريرياً قبل الجريمة، ولا أصبحت حريرياً بعدها. في نظري، يجب أن يبقى ممكناً أن نطالب بجردة حساب لسنوات الحكم الحريرية، وأن يتيسر إجراء هذه الجردة أمام الرأي العام لمن هم في موقع النزاهة والمسؤولية ومن يجب أن يكونوا في موقع المعرفة، أي أن توضع بتصرفهم مقومات المعرفة.
مع ذلك، شعرت ولا أزال أن اغتيال الحريري جاء طعنة شخصية لي. لا أتوقف عند واقعة أن بشراً قتلوا ظلماً هم رفيق الحريري ومن رحل معه، فهذا أمر لا يحتاج الى توكيد.
ما أتوقف عنده هو أن هذا الاغتيال جاء اعتداء على العلاقة التي كان عدد غفير جداً من اللبنانيين قد بنوها بهذا الرجل، وبنوا عليها صورة له في نفوسهم وفي حياتهم. الاغتيال جاء اعتداء على هؤلاء جميعاً في شخص وشأن عزيزين عليهم. وهو، فيما يلي ذلك، اعتداء على اللبنانيين جميعاً، في نظري، وعليّ أنا من بينهم.
الأمر يشبه أن يهدم بيت جارك مثلاً. فلا تستطيع أن تعتبر أنه ما دام البيت ليس مطوّباً على اسمك فأنت غير معني بالموضوع. أنا معني جداً بقضية الحريري، وأفهم أن يكون مطلب كشف الحقيقة حولها وإجراء المحاسبة مطلباً جامعاً للبنانيين، بما هو مطلب تضامن فيما بينهم، واقع على المستوى الأرفع.

دلال البزري:
ما استعصى على الحريري إنجازه تحقق باستشهاده
كان لموت رفيق الحريري أثران على تفكيري: الأثر الأول هو علاقتي بالسياسة في لبنان. لقد استوقفني استشهاده وطرح عليّ السؤال: "أين أنتِ من السياسة". فالحدث بسياقاته المختلفة، جعلني أنتبه الى كوني أهملت السياسة. وكأني تركتها للآخرين ليتولوا شؤون بلدي، في الوقت الذي كنت منتبهة تماماً أن هؤلاء الآخرين هم الأيدي القذرة التي تقوم بالأعمال القذرة، ومبررة ذلك بأننا (كمثقفين ومواطنين) بتنا مترفعين عن السياسة التي تديرها الادارة السورية، أو أن السياسة باتت على نحو مبرم تمر فقط عبر قناتين: سوريا والطائفية. وهاتان القناتان هما حتماً على تعارض مع رؤيتي للسياسة.
هذا ما اتضح كلياً لحظة موت الحريري.
وهذا أيضاً ما قادني الى نوع من الندم. ليس لأني كنت نقدية تجاه الحريري وسياساته، إنما لأن نقديتي تلك كان ينبغي لها أن تصدر من موقع من يتوسل تحقيق ما يصبو إليه وليس ذاك النقد اليائس.
الأثر الثاني الذي تجلى في موت الحريري، هو أن سيرته تشبه سيرة المسيح، إذا صح التعبير، بمعنى أن تحقق هدف الحريري وصورته كشخص فاعل في الشأن العام قد تم في لحظة اغتياله وموته، فالمسيح والكلمة الصالحة وصحبه لم يكن في مقدورهم قلب الامبراطورية. لكن صلبَه هو الذي حقق ذلك: موت الحريري، إذاً، هو اكتمال معناه.
ويجب أن لا ننسى أن الزمن زمن الحريري لا زمن غيفارا. ففي هذا الزمن، الرجل الممكن هو الحريري، ولكن كلمته الطيبة لم يسمعها اللبنانيون، وفعله الطيب لم يروه حقاً، مثلما سمعوا ورأوا مع صدى موته ومشهد اغتياله.
المعجزة التي تحققت مع موته، رغم كونها أمراً بسيطاً، تبقى "معجزة"، أي أن يلتقي اللبنانيون. فالحريري ترك لنا فكرة انكشفت أمامنا لحظة الاغتيال... وقد وصلت فوراً رسالته في لحظة موته: إمكانية تحقيق السيادة والحرية والاستقلال سلمياً ومن دون إراقة دماء. وهذا كان قدر لبنان.
في حياته كان صعباً عليه تحقيق هذا الهدف. كان مجرد احتمال. وموته حوّل هذا الاحتمال الى أمر متحقق.
قد أجازف بالقول ان موت الحريري ربما كان خلاصة توجت سيرة الحريري السياسية. موته جعلني أصرف النظر عن كل ما اعترضت عليه في سياساته. كان هو الممكن الوحيد والمتاح. وهذا يدل على أنه شخصية مركبة، انسان فحسب، في خضم الخير والشر.
اللبنانيون، ما بعد موت الحريري، هم في مرحلة انتقالية، وهم مضطربون. ولكنهم، وأنا منهم، منكبون على صياغة جديدة للهوية والدور والقيم. وهذا يلزمه جهد كبير ووقت كثير.

سيمون كرم:
عن ميزاته الثلاث: العصامية، الأريحية، وسعيه للعلم
صورة رفيق الحريري في شهادته (بالنظر الى سيرته) رُبطت مع صورة بداياته وكبرت صورة البداية. في الوسط تظل بالطبع صورة السلطة. طبعاً كل سلطة هي موضع خلافي، وسلطة رفيق الحريري في البلد كانت أيضاً موضع خلاف في حجم أكبر وعلى مستوى أكبر لأن حجمه كان كبيراً. هذا هو الشعور الغالب عندي.
صورة البدايات لرفيق الحريري في أذهان اللبنانيين هي صورة مقبولة عندهم، لأنها نابعة من قيمهم. وفي هذا المجال أشير الى ثلاث ميزات: الميزة الأولى هي العصامية في هذه البيئة المعدمة التي نشأ فيها. لبنان بلد فقير. والتقدم والرقي هما سلاح الفرد اللبناني. أن يكون في شخصه حائزاً على مقوّمات العصامي الذي ينطلق من اللاشيء ويحقق كل شيء، فهذا موضع تقدير وإعجاب في الاجتماع اللبناني. وأساس كل نجاح هو عصامية تسبق كل جيل يعرف الرفاهية. عصامية تدوم بنجاحها لابن وذرية أو حتى لبيئة معينة، طائفية أو مناطقية.
الحريري، منذ اطلالته الأولى، كان متمتعاً بذلك. أما الميزة الثانية فهي الكرم والأريحية. كان انساناً مستعداً وقادراً على بذل جزء مما أنتجته يداه للآخرين، وفي المجالين العام والخاص. الكرم أيضاً ميزة مقدّرة ومحبذة لدى اللبنانيين.
أما الميزة الثالثة، التي تكمل الى هذا الحد أو ذاك الميزتين السابقتين، فهي صلته بالعلم، الذي لم يحصل هو نفسه منه الكثير، ولكن كان راغباً بأن يجعله في متناول أبناء الآخرين وعلى مدى واسع. فمسألة المنح التعليمية وغيرها وتتويجها بمشروع ليس معروفاً على نطاق واسع، هو مشروع كفرفالوس، خير دليل على رغبته هذه. لقد أنشأ الحريري في منطقة تقع وسط بيئات طائفية أربع مشروع كفرفالوس محاولاً أن يلخص فيه ركيزتين قامت عليهما النهضة التعليمية في لبنان. أي الجامعة اليسوعية والجامعة الأميركية. بل وفي منطقة تتوسط الشوف والبقاع والجنوب وصيدا، على الرغم من تنوعها الطائفي، يجمعها ذلك العطش الى هذا النوع من التحصيل العلمي العالي. وتلك كانت رمزية مشروع الحريري وأهميته.
الشهادة هي الشهادة ولا تناقش. وهي وحدت اللبنانيين حول النقطة ذاتها التي كانت موضع اختلاف بين الحريري والكثيرين: أي العلاقة بسوريا. هذا ما يستدعي التطرق الى مسألة رفيق الحريري والسلطة، والتي يلخصها سؤال ظل مطروحاً بإلحاح على رفيق الحريري ومنه. الى أن وصل هذا الالحاح الى سوية الحدة، وهو: كيف تُبنى الدولة اللبنانية على قاعدة القبول بالوصاية السورية ونتائج القبضة السورية على مقدرات البلاد؟
جواب الحريري بالايجاب عن هذا السؤال، عبر توليه مسؤولية رئاسة الحكومة طوال هذا الزمن المديد، هو نقطة الصدع في علاقة شرائح لبنانية واسعة مع رفيق الحريري. خصوصاً وأن المهانة الشخصية التي كان يتعرّض لها لم تكن سراً، لأن ضباط عنجر وسائر المسؤولين السوريين كانوا يبذلون جهداً خاصاً لتعميمها. هذه المهانة التي كان يتعرّض لها، أصبحت مهانة لشعب بكامله. وهي بلغت حدها الأقصى عندما قتلوه. هذا الشعور بالمهانة القصوى في تلك اللحظة ربما كان السر وراء الاندفاع الشامل لردة أنتجت انتفاضة الاستقلال، وربما حققت "الاستقلال الثاني".
لم يكن هناك اعتراض على سياسات رئيس الحكومة رفيق الحريري، من وجهة نظري على الأقل، إلا في هذه النقطة: أي القبول، ولو على مضض، بالوصاية السورية. لكن كان واضحاً جداً أن الرجل يحاول إعادة بناء الدولة وإعادة بناء البلاد. وبات واضحاً ما بعد البدايات بقليل أن إرادة المنع كبيرة وأن القدرة على مقاومتها من موقع السلطة آخذة في التآكل حتى الاضمحلال. وهذا ما جعل استمراره في هذا الموقع صعباً في الوقت الذي كان فيه تنامي حركة الاعتراض في أمسّ الحاجة إليه لتختمر وتكتمل.
هذه المفارقة حلها رفيق الحريري باستشهاده. ولم يتردد أحد من اللبنانيين لحظة واحدة للتصالح معه... فكان شهيدهم.


عباس بيضون:
بناء أركان الاستقلال في زمن التبعية

أظن أن سعي النظام الانتدابي الى تنظيم مؤامرة كاملة لاغتيال الحريري، هذا الفعل وحده يجعل ضرورياً تكوين رؤية جديدة لدور الرجل ولمشروعه. من المبكر أن نضع الحريري في مقامه التاريخي، فذلك يتصل بمقومات لبنان ودوره ومستقبله. وعلى الأرجح، فإن الأيام ستجلو أكثر فأكثر الفاعلية التاريخية لدور تجاوز دائماً ظرفه ومكانه، وبدا أكبر من لبنان تحت الوصاية، وكأنه يواصل تاريخاً آخر.
من المبكر إذاً، في الفوضى اللبنانية الحالية، تحرّي دور الحريري. ولا بد من رؤيته على حقيقته بعد عودة الوضع اللبناني الى درجة من الاستقرار والثبات. فالفوضى تغري بأكثر التحليلات جانبية. إنما يسعني القول ان أكثر ما لفتني في عمل الحريري هو قدرته، في بلد تحت الوصاية وتحت الانتداب، وفي ضعفه وتركيبته الداخلية الهشة، على طرح مشروع. استطاع في بلد كهذا أن يوجد كياناً سياسياً واقتصادياً لا يقاس بضعف البلد ولا بتبعيته. فقد استطاع الحريري، مع وجود الانتداب، ومن دون التصدي المباشر له، ومن دون حرب معلنة عليه، أن يصنع قوة استقلالية وهياكل دولة مستقلة، وعلاقات كيان مستقل، وثقلاً عالمياً وعربياً يستحيل أن يكون إلا لبلد مستقل. استطاع الحريري تحت غطاء الانتداب، وتحت رقابته أيضاً، أن يبني ما بقي الى الآن هياكل لبنان المستقل ومشروعه الوحيد.
وإذا تكلمنا عن هذا المشروع، فإن صفته الأولى هي انفراده. إلا أن صاحبه كان الوحيد الذي يملك قوى اجتماعية وسياسية واقتصادية، قادرة على القيام بمشروع فعلي. بينما ترك الآخرون العنان لمشاريعهم السلبية، أو لاعتراضاتهم الأخلاقية، والايديولوجية أحياناً.
بهذا المعنى، فإن الحريري بين هؤلاء جميعاً، كان يواصل تاريخاً أصلياً في البلد، ويتصرّف كما لو كان البلد لا يزال ذا تاريخ.

شوقي الدويهي:
معه كنا نجهر بالكلام دون خوف

أعترف بداية أن موقفي من الرئيس رفيق الحريري منذ دخوله المعترك السياسي كان موقفاً ملتبساً لا يخلو من بعض السلبية، ومرد هذا الالتباس يعود من جهة إلى طبيعة هذه الشخصية الآتية من عالم الأعمال. وما يستتبع هذا الأمر من رؤى في السياسة والاقتصاد، والثقافة. وباختصار بكل ما يتعلق بادارة الشؤون العامة، ومن جهة أخرى يعود الى قناعات فكرية وسياسية كانت راسخة لديّ مغايرة كلياً لما يمثله الرجل.
بطبيعة الحال كنت أحب فيه، وإن من دون اعلان صريح، ما يطمح اليه من انجازات كنت ارى انه لا بد منها لقيامة البلد بعد الحروب التي عصفت بنا. وفي الوقت نفسه كنت أخاف منها لاسباب، اعترف الآن، انها لم تكن تخلو من بعض الشعبوية، ان في السجالات التي كانت دائرة حول أولوية الحجر أم البشر، او بصورة خاصة حول مشروع اعادة اعمار وسط المدينة.
شاءت الظروف ان اراه مرة واحدة وأخيرة. كان ذلك بدعوة من بعض العاملين معه الذين كانوا ينظمون لقاءات دورية يلتقي فيها مع شلة من المثقفين. اذكر انني حين خرجت من هذا اللقاء ممتعضاً الى حد ما، ذاك ان الرجل بدا لي في ما كان يقوله، او على الأقل في جزء منه، انه يعتمد لغة قد تعودناها لدى الساسة اللبنانيين. غير أن الأمر هذا لم يكن في الحقيقة، مصدر امتعاضي الفعلي كوني كنت قد ادرجت الرجل سلفاً في خانة قد تقرب أو تبعد عن لغة هؤلاء غير انها لا تخالفها في الصميم. فمصدر امتعاضي جاء من مكان آخر ذاك انني تركت نفسي فريسة له ليمارس عليها جميع انواع الاغراء (وربما على جميع الحاضرين). وكان اغراء يصعب في الواقع، مقاومته، وكنت اتساءل ما اذا كنت وقعت في فخه أم لا. وكان جوابي ربما هي لحظة وتمر. وكان هذا كله نوعاً من مكابرة المثقف الذي لا يلين في حضرة السلطان، او الذي من المفترض، ان لا يلين.
في الواقع سواء كنا معه ام ضده، فقد ارهقنا رفيق الحريري من كثرة ما تناولناه في احاديثنا، واحياناً في ندواتنا العلمية. كان المحور الذي تدور حوله جميع الاشياء. وكنا نغار من تفاؤله نحن الذي تعودنا ان لا تخلو جملة من الجمل التي نتلفظ بها من كلمة "ازمة" لا بل من تفاقمها. كان هذا خبزنا اليومي الذي نقتات به صبحاً ومساء.
وكنا نظن نحن الذين لا نعرف البتة ما يجري في الكواليس انه كان في المقلب الآخر حيث يربض "الوحش" وحين كنا نسمع من هنا وهناك من خلافات مع هذا الأخير كنا نأخذ على الحريري بعض الميوعة، ان لم نقل الإذعان. لكن لم يكن رفيق الحريري بأي حال يخيفنا. فقد كان عارياً من الأنياب خلافاً لوحوش الداخل والخارج الذين كنا نهمس سراً في كلامنا عليهم بحيث تعلمنا، وان بقدر اقل، شأن من تعلم من أبناء هذه الأمة وضع "الشرطي" في داخله. وحده كان الكلام عليه صارخاً ومن على رؤوس السطوح. وكان بهذا المعنى سهل المنال.
ثم جاء استشهاده ليقضي على "الوحش" ويعلمنا من جديد الصراخ من على رؤوس السطوح.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00