إننا في حال حرب. وهي حرب من طرف واحد، موجهة ضد غالبية اللبنانيين. لقد قررت سوريا ان تخوضها، اضطراراً، للحفاظ على نظامها، ورموز هذا النظام، ثم في مرحلة مقبلة ستستمر هذه الحرب لتعود سوريا إلى بيروت، وتمسك بها و"تحررها".
انه قرار استراتيجي اعلنه البيان الذي تبنى عملية اغتيال جبران تويني: "وحدة بلاد الشام وعروبتها". ومن اجل هذه "الوحدة"، سيكون الارهاب المتقن، كعمليات جراحية استئصالية، هو العنوان اليومي للحياة اللبنانية.
من أجل ذلك ستكون السياسة السورية وفق ايقاعين: ابطاء متماد وعرقلة، وتشويش على مسار التحقيق الدولي، وسرعة متصاعدة في العمل الارهابي المباشر والميداني على ارض لبنان. ستستغل الخشية الدولية والعربية على "استقرار" سوريا، وتستثمر التردد الدولي في معاقبة النظام، لكسب الوقت، فيما تدعم "الشيعية السياسية"، التي ترى نفسها على خط دمشق ـ طهران لكسر الإجماع الوطني وافشال أي تسوية لبنانية داخلية، بقدر ما ستصون التشوّه الحاصل في تركيبة النظام اللبناني، الذي يديمه بقاء رئيس الجمهورية الحالي في قصر بعبدا. كما ستستغل أيضاً حركة التيار العوني الذي غالباً ما لا ينظر إلى البوصلة، غافياً في منامات وردية وشاعرية طفولية.
في هذه الأثناء، سيعدون لوائح القتل والاغتيال، وسيحضر اللبنانيون الجنازات والمآتم. انها معادلة منطقية للمواجهة ما بين الـ تي.أن.تي واللحم العاري، بل انها النتيجة العقلانية الوحيدة للصدام ما بين إرهاب مدجج بكل آلات القتل، شديد التصميم والعناد، ومجتمع أعزل، مدني وسلمي.
هذا مشهد نادر في أيامنا المعاصرة. فهناك دول تواجه الإرهاب بإرهاب مضاد، أو تواجه الإرهاب بحرب شاملة، أو برزمة وسائل قانونية، استخباراتية، أمنية، اقتصادية، الخ.. إلا في لبنان، الذي وجد نفسه أمام ابتكار جديد: مواجهة الارهاب بالمزيد من المدنية المسالمة، ومواجهة النار بالكلمة، والعبوات الناسفة بالدم السهل.
اننا نتكلم بالتحديد عن قوى 14 آذار، التي وصلت الى لحظة الحقيقة: الجمهورية لا تزال بعيدة، عون من وراء ظهرها ينتظر تعثرها. "الشيعية السياسية" في واد بعيد. سوريا صنفتهم اعداء يستحقون الموت. القوى الدولية تتحرك كدب عجوز بطيء.. والأسوأ من كل هذا ان الشعب اللبناني في حال اقتصادية ومعيشية صعبة، ولا يستطيع التحمل كثيراً.
إزاء ذلك، فان المجتمع المدني اللبناني، وقوى 14 آذار الذي تمثله، سيضطران للبحث عن حلول: فنزف الدم يجب ان يتوقف. انها لحظة ضعف لن يسارع فيها السيد حسن نصر الله إلى النجدة، كما يأمل وليد جنبلاط، وسوريا لن ترحم ولن تقبل بهدنة، فالثمن المطلوب ليس اقل من محو 14 آذار من الذاكرة وكأنها لم تكن، وحتى "التوبة" لن تقبل بها. أما شروط عون للتحالف، وانتهازاً لهكذا لحظة ضعف، فستتزايد الى حد كبير وربما تكون شروطاً تعجيزية.
في هكذا وضع، سيدفع هؤلاء، عمداً، بقوى 14 آذار الى التوجه نحو المحظور: تدخل دولي صريح وميداني، وترجمة هذا عملياً، حرباً اقليمية (وأهلية). أي أنه مشهد "النعيم" بالنسبة للنظام السوري، منذ ان استقر على معادلة "الفوضى في المحيط والاستقرار في الداخل" كشرط دائم لبقاء النظام.
على الرغم من ان سوريا هي "المحشورة" دولياً وعلى الرغم من ان "الشيعية السياسية" معزولة داخلياً، الا انه يجب الاعتراف بأن المأزومين هم اللبنانيون، وأن قوى 14 آذار هي وحدها في المأزق.
الجمهورية تحت وطأة الإرهاب والخوف. وإذا كانت الحلول على مسافة سنة أو سنتين، فإن التخريب والقتل على مسافة يوم أو شهر. ووفق هذا الاختلال في عامل الوقت، تسير بنجاح الخطة السورية القائمة على هذين الإيقاعين.
في المحصلة، ما من خيار آخر سوى 14 آذار جديد، سوى انجاز "الحقيقة" بل ولا خيار سوى الرهان على الدم والشهادة والكلمة والمزيد من الحياة.
السياسة الوحيدة المتاحة امام اللبنانيين، هي ان يكونوا، هكذا مدنيين، مسالمين، وفي وضح النهار، مأخوذين بالغبطة والحب والأمل.
ان شاعرية نزول الناس ككرنفال سياسي، حتى في المآتم، حتى في الغضب والاحتجاج، وهم يرددون قسم الشهيد جبران تويني، هو بمثابة أجمل عمل "إرهابي" يطال القتلة، ويصون الجمهورية.
التسويات غير ممكنة، فهيا بنا إلى ساحة الحرية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.