أعرف شلة من المتعلمين والمثقفين ومخضرمي الصحافة ومتقاعدي التعليم الجامعي وأصحاب سوابق حزبية وسياسية ومتأدبين، يواظبون على الجلوس معاً في مقهى من مقاهي رأس بيروت والحمرا. وهؤلاء، غالباً ما تطغى أصواتهم وتعلو وتحتل فضاء المقهى. وهم أيضاً ينتقون من المقهى الحيز الأساسي والاستراتيجي، مؤلفين تلك البؤرة المركزية فيها. ومع كثرتهم وصخبهم ووأخذ راحتهم فيها، يصادرون المقهى، عملياً، وتصير لهم وعلى صورتهم.
ثم إنهم، على الأغلب، يواظبون على الحضور والجلوس فيها يومياً، على فترتين، صباحية تمتد حتى الظهر، ومسائية تمتد حتى موعد الإقفال، فيما طلباتهم لا تتعدى فنجان القهوة الواحد لكل منهم (وبعضهم لا يطلب شيئاً).
ارتبط المصير البائس لتلك المقاهي، حتى الإقفال، بتلك الشلة تحديداً. إذ ليس صدفة أن كل مقهى ينتقونها، يتدهور حالها ويهرب منها الزبائن متعجلين، نادمين على دخولها، فتتحول رويداً رويداً إلى شبه ناد خاص بهذه الشلة.. وعندها يكون مصير المقهى الحتمي هو الإقفال.
من يتابع تسلسل انطفاء تلك المقاهي، يرى تسلسل انتقال الشلة من هذه المقهى إلى تلك. من الويمبي إلى الكافيه دو باري إلى سيتي كافيه ثم ليناس بلازا فـليناس كونكورد. حتى مطعم كريب أواي (مكان الكافيه دو باري) الذي ارتضى منح الشلّة طاولة كبيرة فيه كل مساء، أقفل وانتقل إلى عنوان آخر.
إنه الاقتصاد أيها الأذكياء.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.