يمكن المرء ان يقترح ما يشاء. المهم أن يدرك ان للآخرين ايضاً حق اقتراح ما يناسبهم.
يمكن لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ان يرى انّ حصة طائفته في الدولة اقل من المستحق. ذلك ان امتياز حمل السلاح، واستيراد اضعاف اضعافه من خارج العالم العربي، مع تصدير بعضه الى بقع بعينها من العالم العربي (من المنامة حتى صعدة)، اضف الى تعليق احكام القانون اللبناني وكف يد الجباية عن مناطق بعينها، والرجوع الى قضاء حزب الله في ابرام او فسخ عقود تجارية ومشاريع مقاولات، كلها امور ثانوية لا تلغي واقعة "الحرمان الازلي"، بل يؤسس عليها تقليصاً او "خدمة" لهذا "الحرمان الازلي"، من خلال زيادة حصة الملة في الدولة (المشاركة)، كما لو ان التوازنات النوعية والعددية التي ارساها اتفاق الطائف، ليست غير "مرحلية" او "انتقالية"،. ومن الممكن تجاوزها، بعد الغزوة المسلحة الاخيرة، ومن خلال قراءة "عرفانية" لاتفاق الدوحة، اي القراءة التي تبصر فيه بنوداً غير "ظاهرة"، ولا يراها الا فريق بعينه.
بيد ان توسيع حصة طائفة ما في الدولة سيعني حسابياً تقليص حصص غيرها من الطوائف، إما من خلال تولي مناصب بعينها، وإما من خلال استحداث الجديد من مناصب. أما ان يشترط نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى بين ان تعطى طائفته وزارة المال وبين أن يجري استحداث منصب نائب رئيس للجمهورية ويناط بأحد أبناء طائفته، فهذه والله سابقة.
أولاً، لأن فضيلة الشيخ عبد الأمير قبلان يخيّر شركاءه في الوطن: إما أن آخذ من حصة السنة (وزارة المالية)، وإما أن آخذ من حصة الموارنة (تقاسم رئاسة الجمهورية). إما أن آخذ منصباً من ضمن المتوفر، واما ان يتوفر منصب زائد لي.
ثانياً، لأنه يتعامل مع تاريخ وزارة المال بعد الطائف كما لو انها وزارة كانت تنتهج "سياسة سنية"، وقد حان الوقت لكي تنتهج "سياسة شيعية". أي اننا أمام تصور يطالب منذ البدء، بالمال، قبل المطالبة، بوزارة المال، ويتصور ان المال كان من حصة طائفة بعينها، وله ان يحوّل الى حصة طائفة أخرى.
ثالثاً، لأن منصب نائب رئيس الدولة عادة ما يعتمد إما في الدول الفدرالية، حيث الدولة مركبة وبحاجة الى رأس هرم مركب، واما في الدول التي تعتمد دستورياً النظام الرئاسي، بقصد تكريس مؤسسة الرئاسة على رأس السلطة التنفيذية ككل، وتكريس الاستقلالية التامة للسلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، فتستمد السلطتان شرعيتهما من الارادة الشعبية بشكل منفصل، بحيث لا تنبثق الواحدة عن الأخرى.
ويمكن أن يعتمد منصب نائب رئيس الدولة في الأنظمة الرئاسوية التسلطية اللادستورية، فيكون منصباً صورياً أو تشريفياً في حالات بعينها، أو يصير شاغل المنصب، بمثابة مشروع "كبش محرقة" ما ان يكون النظام السلطوي في ازمة ومن الضرورة التضحية بالرقم 2 لانقاذ أو تقوية الرقبم 1. وفي الحالة المقابلة، يمكن ان يتحول "نائب رئيس الدولة" الى مشروع "ولي عهد"، بحيث يكون الأوفر حظاً لخلافة الرئيس اذا ما توفته المنية، أو يكون في وضعية توهله للانقلاب عندما يكون ذلك ممكناً، ومن ينسى "نائب رئيس الجمهورية العراقي" صدام حسين في السبعينيات؟
فأي نموذج لنائب الرئيس يطالب به الشيخ قبلان؟ هل يدعو الى إعادة تأسيس لبنان على أساس الفدرالية؟ أم يدعو الى قيام نظام رئاسي، ما يفترض بالتالي، إعادة توزيع الصلاحيات، بشكل يقنّن الى حد كبير من صلاحيات رئيس المجلس النيابي؟ أم ان كل الغاية من استحداث منصب "نائب رئيس" للجمهورية محصورة في "التعليق" على الرئاسة الأولى، على شاكلة "التعليق على كهرباء الدولة" في بعض المناطق؟
وجه المفارقة في هذا المجال ان الفريق عينه الذي أنكر ان تكون لنائب رئيس المجلس النيابي أي صلاحية دستورية سواء في مرحلة طبيعية أو في مرحلة استثنائية، كمثل تلك التي عطل فيها رئيس المجلس عمل المجلس لسنة ونصف السنة، هو الفريق الذي "يرتجل" منصباً جديداً: نائب رئيس للدولة.
ولنفترض ان رئيس الجمهورية بحاجة حقاً الى نائب له، أسوة بغيره من الرؤساء العرب. ما المسوّغ، عندها، الذي يفرض ان يكون المنصب المستحدث من نصيب الشيعة، طالما ان الطائفة الشيعية تعتبر ان رأس السلطة التشريعية كله لها، في حين ان رأس السلطة التنفيذية يتقاسمه الموارنة والسنة؟ لماذا لا يعطى منصب نائب رئيس الجمهورية، اذا ما استحدث لطائفة الموحدين الدروز، ليس فقط إقراراً بالدور التأسيسي الكياني لهذه الطائفة، وانما تعويضاً لها عن عدم نيلها حظها من الرئاسات الدستورية، اذ ان اتفاق الطائف، يعد الدروز برئيس مجلس شيوخ، مجلس شيوخ كان يفترض وفقاً للتصور المعتمد في الطائف، ان يشارك في أعماله فضيلة الشيخ قبلان وسواه من المرجعيات الروحية المسيحية والاسلامية. لكن الأمور في هذا البلد لا تسير أبداً باتجاه قيام مجلس الشيوخ الموعود، تماماً مثلما ان وعد القمة الاسلامية الثلاثية الأخيرة قبل اشهر بأن الفتنة المذهبية لن تحدث، هو وعد ما لبث ان خاب، على وقع الأناشيد والأهازيج المهللة سواء بسواء، لأسد المطار، ولأسد مسلّة طريق المطار.
(*) كاتب وأستاذ جامعي








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.