يتوجه البلد الذي تجرّع مرارات التمديد التعسفي ثم الفراغ الدستوري ثم الانقلاب المسلح، لانتخاب رئيس جديد، توافقي، للجمهورية، والخوض في المسار الذي انتهى إليه مؤتمر الدوحة للحوار الوطني، والذي يراد له أن يلتقط شعار "لا غالب ولا مغلوب" الذي أفرزته الذاكرة اللبنانية في أواخر الخمسينيات، لجماً لشعار "جني ثمار الثورة" بعد أحداث 1958.
مع ذلك، ثمة عصبة من الغلاة ليس يمكنها أن تتعايش لا من قريب ولا من بعيد مع شعار "لا غالب ولا مغلوب". فالعصبة التي لا تحسن من تقاليد القراءة والكتابة غير تقاليد الشماتة تحسب أن اللحظة سانحة الآن لنفث سموم الشماتة، في غير اتجاه.
فإذ يتوجه البلد لانتخاب رئيس للجمهورية من صلب جبل لبنان، رئيس زكته بالدرجة الأولى بطولات جنود الأمة اللبنانية في موقعة نهر البارد، فهناك في المقابل حفنة ما زال همها التحريض على الجيل اللبناني، والأمة اللبنانية، أسوة بالتحريض على بيروت، وعلى قوى الاتزان والاعتدال في الأمة العربية. هي ثقافة التحريض على قتل المثقفين. ثقافة "الصحيفة" التي تحرض بوجه حرية الصحافة. ثقافة الشماتة بالحريات الاعلامية المعتدى عليها. ثقافة الجمع بين شتم طوائف ومذاهب بعينها، وبين ادعاء منتهى العلمانية وما بعد الحداثوية. ثقافة الربط بين المؤثرات الفاشية والمؤثرات الفوضوية، ابتهالاً للعنف العبثي.
ما عجز "الممانعون" الأشاوس عن نيله بالأعمال الحربية، لم يتمكنوا من نيله على مائدة المفاوضات، اللهم إلا النذر اليسير، لكن ثمة من يقترح عليهم، الاستمرار في الغي والطيش لأجل نيل الحد الأقصى من المكاسب على جبهة "التنظيف الثقافي"، أي تلك الجبهة التي ابتدأت يوم جرى اغتيال الصحافي والمؤرخ سمير قصير في مطلع حزيران 2005.
يتصور هؤلاء الغلاة أنهم آباء المرحلة الراهنة ثقافياً وفكرياً. لكن ما القول في حال أمة يكون من أركان الثقافة الملتزمة فيها خضر عواركة وأسعد أبو خليل؟ وإذا كان المدعو عواركة يفتي علناً بوجوب قتل نوفل ضو ووسام سعادة وحسام عيتاني، فإن المدعو أبو خليل يفتي علناً بوجوب قتل رموز قتل توفتها المنية منذ مئات السنين. هو يفتي مثلاً بوجوب التمثيل بجثة القديس يوحنا فم الذهب الانطاكي، ويخطئ التمييز بينه وبين يوحنا الانجيلي، وبينه وبين يوحنا الدمشقي، ومع ذلك يريد لنا أن ننتبه: إنه أستاذ جهبذ من جامعة في كاليفورنيا، أهذا ما جنته أميركا علينا؟؟ المدعو أسعد أبو خليل يهاجم شهداء لبنان كل سبت، وفي طليعتهم الشهيد رفيق الحريري. فماذا لو كانت مدينة بيروت سلمت مهمة إعادة إعمارها للبروفسور أسعد أبو خليل ولأمثاله؟ لعله كان قد اقترح تصوراً معمارياً للعاصمة اللبنانية يشبه الجمالية المعمارية لاعتصام "المعارضة الوطنية اللبنانية" في ساحتي البرج ورياض الصلح.
لكن أسعد أبو خليل، المتطفل على فن العمارة، مقدار تطفله على الدراسات الاستشراقية، يدعي مع ذلك شرفاً آخر. لا يقول انه كان بمستطاعه إعادة بناء مدينة بيروت، وإنما يجهر بأن مراده أن تتهدم المدينة. وهو يحسب أنه يمكنه أن يهدّم المدينة بتمضيته ساعات طوال على موقعه الالكتروني "العربي الغاضب"، وهو يدبج التهم الرخيصة ضد بلال خبيز، لا لشيء، إلا لأن الأخير تطوّع لأجل تزويد القارئ العربي ببعض من قبسات "المقاربات العمرانية" للذات وللآخر.
لأجل ذلك، حاز البروفسور العبقري للغاية على شهادة تقدير من بهجت سليمان على موقع شام برس، مع العلم ان البعض في "المعارضة الوطنية اللبنانية" ما زال يتنبه الى علاقات البروفسور بالايباك وغيره من منظمات الضغط، وعمله لحساب لجان مختصة في البنتاغون، وجنوحه دائماً في الكواليس الأكاديمية ـ الأمنية، المشتركة، لوضع تحريضه ضد المملكة السعودية، في خانة السياسة الاسرائيلية التقليدية تجاه المملكة.
بعد كل ذلك يريد البروفسور أن يدعي شرفاً لم يفطن إليه أحد. يقول لنا ان المقاومة ضد اسرائيل ما بدأها أحد غيره. مهمته التشنيع على اللحظة التاريخية المقرونة باسمي جورج حاوي ومحسن ابراهيم، لحظة اطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، فالسيد أسعد أبو خليل يعرف جيداً من كان يحتسب أصوات النواب في الانتخابات الرئاسية 1982، ويعتبر أن هذا الاحتساب من أعمال المقاومة. أو يعتبر أنه عندما غزا أحد بساتين منطقة صور مع بعض من الصبية، إنما كان ينفذ عملاً مقاوماً.
(*) كاتب وأستاذ جامعي








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.