8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عن التنوع اللبناني المشروط بولاية الفقيه المطلقة

ليست المشكلة في مجاهرة السيد حسن نصرالله بانتمائه إلى حزب ولاية الفقيه. من لا يعرف ذلك؟ المشكلة في مكان آخر. هي تبرز عندما يحاول نصرالله طمأنة اللبنانيين بأن ولاية الفقيه "تأمر" بالحفاظ على تنوع لبنان.
إذاك يصبح التنوع اللبناني منّة من ولي الفقيه. ويقوم بين التنوع اللبناني وبينه نوع من "تفاهم مار مخايل" اعتباري وغير مكتوب، اللهم إذا كان من المطلوب إجراء تأويل باطني أو عرفاني لـ"تفاهم مار مخايل" الموقع بين زعيمي حزب الله والتيار الوطني الحر في 6 شباط 2006.
هذا التنوّع المحافظ عليه بموجب أمر ثيوقراطي هو في أقل تقدير تنوّع مشروط. أما ولاية الفقيه التي يصار عنها الحديث فلا هي مشروطة ولا هي مقيّدة. أصلاً، كل الجدال مع حزب الله، داخل وخارج الطائفة الشيعية، وكل الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران يدور حول هذه النقطة بالتحديد: إطلاق أو تقييد ولاية الفقيه.
الولاية التي أعلن نصرالله انتسابه اليها هي تلك المطلقة. وهو أعلن انتسابه اليها بطريقة مطلقة. هي ولاية لا يحدّها حدّ، من حيث هي حاكمية الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الإمام الحجّة. هي في أقل تقدير ولاية تشتمل لأحكام الجهاد.
يتناقض "تفاهم مار مخايل" الاعتباري هذا، والمنعقد بين ولاية فقيه مطلقة وبين تنوّع لبناني مقيّد، مع الفقرة دال من مقدمة الدستور اللبناني، حيث "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة عبر المؤسسات الدستورية". كما يتناقض هذا التفاهم الاعتباري مع المادة التاسعة من الدستور، التي تلتزم بموجبها الدولة اللبنانية "تأدية فروض الإجلال لله تعالى" فـ"تكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن يكون في ذلك إخلال في النظام العام". هذا يعني في أقل تقدير وجوب أن لا تشتمل الشعائر المكفولة من لدن الدولة على أحكام الجهاد، فكيف ان أنيطت هذه الأحكام بمرجعية تبعد آلاف الكيلومترات عن لبنان، وكيف لو كان الولاء مطلقاً.
الشعب اللبناني هو مصدر السلطات، وهو مصدر التنوّع.
والدستور اللبناني الذي ينظم العلاقة بين السلطات، انما يكفل هذا التنوّع. أما ولاية الفقيه، فهي إما أن تكون مقيّدة ومشروطة، ينضوي أتباعها في إطار التنوّع اللبناني، مثلهم مثل الآخرين، وإما أن تكون ولاية مطلقة، ومناقضة لأبسط معاني مفردة "تنوّع"، وبالذات حين يجري ادعاء "حراسة" هذا التنوع.
في داخلة كل شيعي اثني عشر شبهة ولاية فقيه معينة. لكن الأمر يختلف تماماً في حال ولاية الفقيه المطلقة التي لاحت تباشيرها في أعقاب تشيع الأسرة الصفوية في القرن السادس عشر، ثم أسس لها كأدلوجة ثورية تحاكي فقه الحاكمية القطبي المودودي، في لباس شيعي، وفي سياق خلع نظام الشاه محمد رضا بهلوي. هذه الأدلوجة هي وحدها تقول بولاية الفقيه المطلقة على طول الخط، في اختصار بالغ لتنوّع الإمامية، الشديد الثراء، والمستعصي على الاختزال كما الحصر، والفائض على كل تحقيب، والمتفرع لكذا مدرسة.
المشكلة اللبنانية محصورة بتداعيات ولاية الفقيه اللامحصورة.
وكما لا يسع ولاية الفقيه المطلقة الحفاظ على التنوّع داخل المذهب الإثني عشري، فأقل ما يقال انه لا يسعها "الحفاظ بالأمر والنهي" على التنوع اللبناني العام.
وهذه المشكلة اللبنانية تكبر، لأن "الثلث المعطّل" بكل ما يرمز إليه، يجاهر بأنه الشكل الأنسب لضبط العلاقة بين التركيبة اللبنانية ككل وبين ولي الفقيه.
للولي، في أضعف الإيمان، حق النقض والتعطيل. وله الأمر في تقرير حال الحرب والسلم، ويأتي بعد ذلك تقاسم الوزارات بين سيادية وخدماتية. وهذا يعني، راهناً، أنه إذا ما طالب حزب ولاية الفقيه بوزارتي المالية والعدل تحديداً، فإنها ستكون مطالبة علنية بربط مقومات السيادة اللبنانية بدولة ولاية الفقيه.
من هنا أهمية المعركة الحالية حول تقاسم الحقائب الوزارية. هذه معركة لا تنفصم عن المعركة الثقافية المتصلة بالموقف من ولاية الفقيه المطلقة ومن الثقافة المشايعة لهذه الولاية في لبنان، والوسائط المعتمدة لتجسيد الولاء.
أما التخفيف من وقع المشكلة، بسوق المقارنات غير الجدية بين ارتباط حزب الله بولاية الفقيه الإيرانية وبين ارتباط الكنائس الكاثوليكية في لبنان، ومن ضمنها المارونية، بدولة الفاتيكان، فهذا أمر يدحض نفسه بنفسه. ذات يوم سأل ستالين: كم دبابة يملك بابا الفاتيكان؟ يمكن الإجابة الآن، بأن ولي الفقيه يملك دبابات وغواصات وصواريخ، وتجربة حافلة بتخصيب اليورانيوم، هذا فارق أول، يمكن الاكتفاء به.
(*) كاتب وصحافي

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00