تمثل المعادلة التي أوجدها السيد حسن نصرالله في اليوم الأول من العهد الرئاسي الجديد "اضافة نوعية" على إتفاق الدوحة. فقد ربط عدم جواز استخدام سلاح المقاومة لتحقيق مكاسب داخلية بعدم تسخير سلاح الدولة لتصفية الحساب مع فريق معارض.
تمثل هذه "الاضافة النوعية" افتراقا، في الحد الأدنى، عن نص وروح اتفاق الدوحة. لأن هذا الاتفاق يحرّم التخاطب الداخلي بلغة السلاح على وجه الاطلاق، في حين أن معادلة نصرالله تحصر هذا التحريم في إسار العلاقة الشرطية، أو التشرطية: فإن لم يكن سلاح الدولة خاضعاً لسلاح المقاومة بشكل أو بآخر، سيسهل اعتبار الأمر بمثابة "تصفية حساب" مع "فريق معارض"، لا بل "تآمراً" على المقاومة.
بمعنى آخر، من هو الطرف الذي من شأنه الحكم في ما إذا كان سلاح الدولة مسخراً لـ"تصفية الحساب" هذه؟ ان لم تكن الدولة من حيث هي كذلك، ومن خلال مؤسساتها الدستورية، وبمعية أجهزتها الأمنية والعسكرية، هي التي تحدّد هذا الأمر فإن المعادلة التي أوجدها السيد حسن نصرالله تصبح مرادفة للقول بأن كل ما نريد القيام به، كحزب الله، سواء تحت مسمّى "مقاومة" أو تحت مسمّى "معارضة" فلنا أن نقوم به وليس من مراجع أو محاسب، أما ما تريدون القيام به سواء تحت مسمّى "قوى 14 آذار" أو تحت مسمّى "أكثرية حكومية" فلن يكون سانحاً إلا من بعد استشارتنا ونيل الموافقة، وكذلك الحال في ما يتعلق برئيس الجمهورية وخطاب قسمه وإدارته للحوار الوطني، وفي ما يتعلّق بالمناخ السياسي الذي عادة ما يشار إليه، في مطلع كل عهد، بعبارة "حزب الرئيس".
الطريف في هذه "الاضافة النوعية" ان السيد نصرالله يوجد أرضية جديدة للتنقل، جيئة وذهاباً، بين مفهومي "المقاومة" و"المعارضة". المقاومة لن تستخدم السلاح في الداخل لحماية نفسها، لكنها ستستخدمه مجدداً إذا ما تهدّد أمن المعارضة، أو أمن أي "فريق معارض". تحوي هذه المعادلة، في منطقها الداخلي، على موقف يتجاوز في تشدده، المعادلة السابقة، والتي قضت بأن ينهض السلاح بموجبات حماية السلاح. السلاح يحمي السلاح الذي يحمي السلاح، وهكذا الى ما لا نهاية. الآن بتنا امام معادلة جديدة: المقاومة تحمي المعارضة، المقاومة هي جهاز أمن المعارضة. والمعارضة موجودة بدورها لحماية سلاح المقاومة. المعارضة تحمي السلاح بالثلث المعطل، والمقاومة تحمي الثلث المعطل بقوة السلاح.
بموجب معادلة "السلاح لحماية السلاح" تمكن حزب الله من فرض وضعية امنية ضاغطة لم تجعل من الممكن ان يتخذ الجيش عشية غزوة بيروت تلك الوضعية الحازمة التي اتخذها ليلة اشتباك مار مخايل. اما بموجب المعادلة الجديدة، في خطبة ذكرى التحرير، فإن الحجة قد صارت ملقاة سواء بسواء، على القوى السياسية المقابلة لحزب الله، او على رئيس الجمهورية وحزب الرئيس وبشكل أو بآخر، على المؤسسة العسكرية. فحزب الله يعي تماماً بأن الوضعية التي اتخذها الجيش في مار مخايل ليست "عارضة"، حتى ولو انها لم تتكرر في بيروت. في نهاية الأمر، التناقض الأمني بين سلاح الدولة وسلاح "المقاومة و أو المعارضة" هو الأفق الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاوزه في السنوات القادمة، حتى لو بدا الامر في جولة او جولتين او ثلاث، مخالفاً لذلك.
ففي اقل تقدير تنبغي الاجابة عن سؤال: من يخضع لمن؟ من يحدّد اولويات الآخر؟
وعند الاجابة عن هذا السؤال لا مناص من استذكار القرارين الحكوميين، المتعلقين بشبكة الاتصالات وأمن المطار. اذا كانت التوازنات السياسية والأمنية لا تسمح باعادة الاعتبار الى راهنية القرارين، فإن سؤال "الأمر لمن؟" مصادرة الاجابة عليه، طالما ان المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تمتلك شبكة اتصالات موازية لتلك السلكية الضوئية، التي مدها حزب الله في طول البلاد وعرضها، وتنبه بعد ذلك الى وجوب ان يقيم عليها حراساً في مناطق حساسة، منها الجبل.
فإن كان من المتعذر تفكيك شبكة اتصالات حزب الله، فمن الضرورة بمكان المطالبة بشبكة موازية، تقنياً ولوجستيا، لمؤسسة الجيش. ليس من عادة المقاومات ان تمتلك سلاح اشارة سلكي ثابت، لأن من طبيعة المقاومات ان تكون سرية ومتحركة. اما الجيوش النظامية فأقل الايمان ان تمنح الحق في ان تطور سلاح اشارتها السلكي، والثابت. فلتكن المعادلة: لكم شبكتكم، وللجيش اللبناني شبكة هي بمثابة الشريان الحيوي لترجمة المضامين الواقعية والاصلاحية لخطاب القسم.
(*) كاتب وأستاذ جامعي








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.