8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الصايغ: بعد شهاب لم تَقُمْ مؤسسة وبعد الحريري لم يُبنَ حجر كيوان: أشكر الله أنّ المسيحيين منقسمون وإلاّ.. كانت الحرب

يداهمنا الاستحقاق الرئاسي والعينُ مشتّتة حيناً ومشدودة حيناً آخر. مشتّتة من كثرة المخاض الجاري في البلدان حولنا، من أنظمة منهارة ومجتمعات متصدّعة وشعوب منتفضة. ومشدودة لأنّ الاستقرار الجزئي والهشّ في الداخل اللبناني بالكاد قد استردّ أنفاسه بعد تجاوز حالة الفراغ الحكومي، وقيام الحكومة الحالية، ربطاً للنزاع على الأساسيات، وتسييراً لأحوال الناس، وبالتالي يطرح السؤال نفسه بجدية، عن الشروط التي ينبغي تأمينها لتمرير الاستحقاق الرئاسي على خير، وتفادي الفراغ والتعطيل، واختيار أفضل الممكن رئيساً للدولة.
على أنّ الاستفهام عن هذه الشروط العملية، المرتبطة بالحدث الانتخابي، تتلازم مع أسئلة تتعلّق بأزمة النظام اللبناني ككل، وبالقضية المركزية على جدول أعمال اللبنانيين: القيام الحقيقي للدولة التي يراد انتخاب رئيس لها. فالسؤال: أي رئيس للبنان، يحيل مباشرة على السؤال عن الواقع الناقص للدولة فيه، وعن الدولة المحققة والمكتملة المنشودة، وعن الزخم الذي يمكن أن يؤمنه الاستحقاق، والرؤية التي يمكن أن يحملها معه الرئيس العتيد للعبور بنا الى حيث تصبح الدولة الجامعة هوية وطنية ملموسة ومعاشة، يدين اللبنانيون لها بالانتماء والولاء ويكتسبون في كنفها صفة المواطنية لكل منهم، فتتضح حقوقهم على محك واجباتهم وبالعكس.
وكما يذكّرنا مستشار الرئيس سعد الحريري الدكتور داود الصايغ في حلقة اليوم من هذا الملف، فإن هكذا دولة لا بدّ لها من سياج يحميها ويصونها، أما وجودها العيني فمن وجود وازدهار واستمرار عمل مؤسساتها، فالمسألة كما طرحت نفسها منذ فجر الاستقلال، وسعى الرئيس الاصلاحي فؤاد شهاب من ثم لشق السبيل اليها، تكمن في كيفية توطيد هذا الاستقلال وترجمته في مؤسسات وسياسات تنموية وتحديثية، كي لا يبقى عود الاستقلال طرياً، وكي تكتسب الديموقراطية مناعتها ولا تصاب الحياة الدستورية بالتعطيل، والدكتور الصايغ يقارن في هذا المجال بين التجربتين التحديثيتين الرائدتين، الرئيس فؤاد شهاب في مسعاه لتوطيد الاستقلال الوطني، والرئيس الشهيد رفيق الحريري في مشروعه لتوطيد السلم الأهلي وتسييجه بالاعمار والاستنارة.
في مقاربة الصايغ ثمة موازنة بين مكامن الضعف التي تنتقص من الدولة ووجودها، وعناصر القوة في المجتمع من قيم تواصل وانفتاح ومبادرات وأفكار حرّة. أيضاً بالنسبة الى الرئيس العتيد، ثمة آمال معقودة تقابلها مخاطر متراكمة، وكل ذلك في ظل مرحلة غير مسبوقة تعيشها المنطقة. من هنا يخوض الصايغ في ملامح الرؤية المنتظرة عند الرئيس العتيد، من دون اسقاط أهمية الظروف وكيفية التكيف معها وفقاً لهذه الرؤية، ومن دون ان يفوته التشديد على ان الدولة لا تبنى بالتراضي.
أما مديرة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف الدكتورة فاديا كيوان فتتطرق في مساهمتها ضمن هذا الملف الى طبيعة النظام الدستوري والسياسي وكيف ان مفاتيحه هي أشبه بسلاح ذي حدين، فقاعدة الثلثين في جلسة الانتخاب الاولى مثلاً إمّا أنّها دعوة الى التفاوض بين الفرقاء السياسيين بقصد التوصل الى تسوية واما انها مدخل الى التعطيل والفراغ. تذكّرنا الدكتورة كيوان بأنّ نعمة الليبرالية التي يتمتع بها نظامنا السياسي قياساً على جواره هي في الوقت ذاته نقمة، كون النظام الليبرالي أضعف من النظام السلطوي عندما يتحلّق حوله أخصامه، ويتعرّض للهزّات. بالتالي نصل الى إشكالية السياج الوطني الحامي والموجد لهذه الدولة، حيث تعرّج كيوان على مسألة النأي بالنفس عن الحرب السورية، وتشدّد على أن النأي يتحول الى مسعى ناجح حين تتوقف عمليات الاستقواء بالخارج على الشريك في الوطن، وتدعو الى نظرة شاملة سياسية وعسكرية لسياسة النأي، وتقرن ذلك باستشراف مفاده ان التجربة السورية لها أن تستفيد من التجربة اللبنانية. كما تسلّط الضوء على عنصر آخر يغيّب قيام الدولة، وهي مسألة الحدود الفالتة.
فوجود الدولة من وجود حدودها، ومن بسط سلطانها ضمن حدودها، ومن احتكام أبنائها الى مرجعية القوانين، واحتكام مؤسساتها الى مرجعية الدستور، وعمل هذه المؤسسات بالشكل الذي يضمن في النظام البرلماني الفصل والتكامل بين السلطات. كذلك وجود رئيس جدير بتحمل المسؤولية على رأس هذه الدولة فهو مرتبط بوجود رؤية منهجية لديه بالعمل على تسييج هذه الدولة، والتأسيس على اعلان بعبدا يبقى جوهرياً في هذا المجال.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00