كان منظرهم، بالزيّ المزركش، المستقى في الأصل من زيّ الشركس، فرجةً للعابرين والمتطفّلين من أهالي المدينة، التي اقتحموها عند الفجر. بقبعات الفرو وأقراط الأذن والمعاطف السميكة والأحزمة المذهّبة وأهازيج أحواض الفولغا والدون والدنيبر بدت سرايا القوزاق شرقية واكزوتيكية بامتياز بالنسبة الى سكّان عاصمة الأنوار.
كان هذا قبل مئتي عام. في صباح اليوم الأخير من آذار عام 1814 توافد عُمَد الدوائر الباريسية طائعين مرغمين الى مربط خيل اسكندر الأوّل، قيصر كافة البلاد الروسية، وسلّموه مفاتيح المدينة. زحف نابليون الأول على موسكو ارتد على أعقابه في أقل من سنتين.
حرص اسكندر الأوّل على تبديد الصور العالقة في الأذهان عن قوزاقه، وطلب منهم أن يظهروا للباريسيين بأنهم لم يعودوا عصابات سلب ونهب وفساد في الأرض، وأنه الى جانب رفاق السلاح البروسيين والنمساويين يعيد تأسيس النظام الأوروبيّ، وفي مقابل التحرير النابليوني للشعوب، انطلاقاً من مثل الثورة الفرنسية، وزبدة عصر الأنوار، يطرحون نموذجهم عن تحرير الشعوب، انطلاقاً من منطلقات الديانة المسيحية. لم يكن اسكندر الأول معادياً لقيم عصر التنوير إطلاقاً. جدّته الامبراطورة كاثرين الثانية كانت عهدت به لمربّين مكّنوه من تشرّب الأفكار الأكثر ليبرالية وجمهورية التي اعتملت في غرب القارة. كان يحب أن يردّد لأهل بلاطه بأنّه يصنّف نفسه جمهورياً ولديه رؤى اصلاحية ودستورية. كان بالأحرى شخصيتين في رجل واحد. فهو ليس بمستطاعه في الوقت نفسه، ولا هو راغب، بالتنازل عن الحدّ الأدنى من أوتوقراطيته، وانقلابه التقدميّ على والده القيصر بولس الأول الذي كان بالدم، وان حرص على تبرئة كفّه من مصرع والده. أراد أن يكون ابن جدّته الألمانية التي تبوأت عرش آل رومانوف، واعتنقت الديانة الأرثوذكسية لتذهب فيها بعيداً في الغلو المسيحاني، وفي نسب رسالة خلاصية للامبراطورية الروسية، والجمع بين خلاصة الاستبداد الشرقي وبين فلسفة الأنوار. الفارق انّ كاثرين الثانية كانت معنية بالتوسع نحو المياه الدافئة، وباستعادة القسطنطينية. سياق الحرب النابليونية جعل اسكندر الأول يطرح نفسه في المقابل كمحرّر الشعوب الأوروبية، وبتثبيته المنطلقات المسيحية كهوية جامعة للنظام الأوروبي في مؤتمر فيينا، كان يجمع بين هذه النظرة لروسيا كـأمّ الخلاص وبين تقريب مسكونيّ سياسيّ بين الكنائس المسيحية تفرضه المواجهة المستعرة مع الأفكار والسياسات اللادينية التي دشّنتها الثورة الفرنسية.
من موسكو الى فرصوفيا الى لابتزيغ الى باريس، سار قوزاق القيصر، وسار معهم البروسيون والنمساويون، في ربيع للشعوب مضاد. جهد الفاتح كي يبدّل الصور العالقة في الأذهان عن قوزاقه، بأنّهم عصابات جلفة دأبها السلب والنهب والفساد في الأرض، ولا يمكن ضبطها، وفي باريس طلب منهم ابهار السكّان.
عَسكَرَ القوزاق في حدائق المدينة، وفي الشانزيليزيه وكانت لا تزال برّية. ضاعفوا من النيران التي أوقدوها للتدفئة، في محاولة لإشعار الباريسيين بقوة عددهم، وبأنّ أيّام نابليون الأول ولت الى غير رجعة، فمن كان يظنّ يومها انه لا يلبث أن يعود بعد أشهر في مغامرة المئة يوم؟
في القاهرة أيضاً، قبل ذلك بستة عشر عاماً، حاول - الجنرال بونابرت آنذاك، أن يبهر أهلها. بعث بمنطاد فوق ميدان الأزبكية. لم يكترث المارّة كثيراً، على ما يستدلّ من مشاهدات المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي ويوميات فرنسيي الحملة على حد سواء. في باريس، كان الفضول أقوى. التقاليد الفروسية والألعاب البهلوانية شكّلت مزيجاً من الغرابة والألفة لأهلها. هناك من يعتقد أن منشأ لفظ بيسترو الشائع على المقاهي الفرنسية روسيّ، وأنّ بيسترو، بيسترو أي بسرعة، بسرعة هو نداء الإستعجال الذي كان يردّده القوزاق كي تؤمّن المقاهي مشروباتهم قبل أن يضبطهم ضباطهم متسيّبين أثناء الخدمة. مؤرّخو اللغة يشكّكون في صحّة ذلك. يبقى أنّها رواية عاشت بين جدران المقاهي الباريسية على امتداد قرنين.
تحل الذكرى المئوية الثانية لمرابضة قوزاق القيصر في باريس أواخر هذا الشهر اذاً. فهل ثمّة من دلالة لاستذكارها؟
في الذكرى المئوية الأولى، عام 1914، كانت روسيا سائرة كغيرها من الأمم الأوروبية باتجاه المذبحة الكبرى، الحرب العالمية الأولى، وكانت تنغص عليها ذكرى احتفالها بأمجاد اسكندر الأول هزيمتها الساحقة أمام اليابان في تسوشيما اواخر ايار عام 1905، وما تبعها من ثورة شعبية. لكن اشتغال المؤرخ الفذ سين ماكميكين على أرشيف تلك الفترة عدّل لنا الصورة، من خلال كتابه الجذور الروسية للحرب العالمية الأولى، وبما يكسر المقاربة التي تمحورت سابقاً حول المسؤولية الألمانية في الدفع بالتوازنات والتحالفات داخل القارة العجوز نحو الحرب الكبرى، أو المقاربات التي تمحورت حول انتفاخة الامبراطوريتين الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية. في مقابل مصلحة هاتين الامبراطوريتين آنذاك على الحفاظ على الستاتيكو الذي يصب في مصلحتهما في معظم أنحاء الكوكب، وفي الشرق الأوسط تحديداً، يستجمع ماكميكين مادة أرشيفية روسية معتبرة، يستنتج من خلالها أن حرب 1914 كانت حرباً روسية أكثر حتى من كونها حرباً ألمانية، وإنه في جبهتها الشرقية، كانت حرب وراثة الإمبراطورية العثمانية، ومهّد لها الروس بمناخ عسكري وديبلوماسي، كان يرى بأن الطريق الى القسطنطينية تمرّ عبر فرصوفيا وفيينا وبرلين.
فماذا عن المئوية الثانية على فتح قوزاق القيصر لباريس، والتي تصادف كونها في الوقت نفسه المئوية الأولى لـالحرب الكبرى، التي، وان كان الاحتراس واجب من الأخذ بمقاربة ماكميكين كما هي، الا انها تظهر بشكل جليّ أن روسيا لم تكن مجرّد منفعلة أمام الفعل التوسّعي الألماني.
روسيا الحالية لم يبلغ غازي كنابليون الأول عمقها ليرتدّ على أعقابه بعد ذلك وتدخل هي عاصمته، ولم يسحق أسطولها من جديد على غرار ما حدث له في تسوشيما. مع ذلك، فهي تشعر ليس فقط بحرقة تضييع الأمجاد التليدة. هي تشعر بأنّها محاصرة، وبأن خط الحصار يتقدّم. ثمة رُهاب حصار بلا شك، لكن ثمة أيضاً واقع أساسي: فحلف شمال الأطلسي لم يتفكك بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، بل استمرّ وتوسّع، وظلّ احتواء روسيا علّة وجوده، والتحقت به الأمم الأوروبية الشرقية الخارجة من سجن حلف فرصوفيا، وكذلك جمهوريات البلطيق السوفياتية السابقة. لكن الأمور اتخذت منحى اكثر تصادمية عندما قرّر الحلف تلبية رغبات الانضمام اليه من قبل جمهوريات سوفياتية سابقة أخرى. الحرب التأديبية في جيورجيا عام 2008 كانت بهذا المعنى إيذاناً بتحول خطير في المجرى الدولي. الارتباط الأطلسي لجيورجيا جرى ضربه في المهد. كيف لحلف يعتبر أن الاعتداء على أي من اعضائه هو إعتداء على جميع أعضائه، أن يفتح المجال لجمهوريات سوفياتية سابقة، يمكن أن تتدخل فيها روسيا الإتحادية بذريعة، وجيهة كانت أو واهية، أو بخليط من الوجيه والواهي، من دون أن يؤدي ذلك الى نزاع مسلّح مع موسكو؟!
ستمرّ الذكرى المئوية الثانية لاقتحام قوزاق القيصر باريس. إذاً، وروسيا في عزّ المواجهة الأوكرانية. ستمرّ وقيصرها الحالي فلاديمير بوتين، ليس حفيد كاثرين الثانية، وإن كان يستلهمها على ما يتواتر عنه، انما هو حفيد الطباخ الخاص للينين وكروبسكايا وستالين، سبيريدون ايفانوفيتش بوتين، في مواجهة مع الأوكران القوزاق، ليست كغيرها من المواجهات بين قياصرة الموسكوب والقوزاق في القرون الماضية.
في كتابه أسطورة القوزاق يرصد المؤرخ سيرغي بلوخي، استاذ التاريخ الأوكراني في جامعة هارفرد، انه في السنوات التي تلت فتح اسكندر الأول لباريس، ظهر احباط لدى مختلف فئات النبالة ومن ثم لدى الأنتلجنسيا في الامبراطورية الروسية، كون ربيع الشعوب المضاد الذي وعد به اسكندر الأول لم يأت. بالتوازي، سيشعر القوزاق انّ حربهم من أجل القيصر لم تجعلهم أكثر حرّية، بل جذّرت خضوعهم لسلطة الحاشية والدولة.
في هذا المناخ، انتشرت مخطوطة مثيرة للغرابة في أوساط النبالة في روسيا. عرفت هذه بمخطوطة تاريخ روس القديمة، أي هذا الكيان الذي كان مركزه مدينة كييف بين نهاية القرن التاسع ومنتصف القرن الثالث عشر ميلادي. يدرس بلوخي الأثر المتضارب لهذه المخطوطة مجهولة المؤلف، وكيف ان شاعراً كاسكندر بوشكين تعامل معها كوثيقة تأسيسية للروح القومية الروسية، على اعتبار ان روس القديمة هي أمّ إمارة الموسكوب وهذه أم الامبراطورية الروسية بعد تحررها من النير المغولي التتاري، ومن بعد تحالفها مع قوزاق روتينيا بقيادة الهتمان بوهدان خامنتسكي لتقويض الكومنولث البولندي الليتواني الذي كان يسيطر على معظم أوكرانيا وبيلوروسيا الحالتيين، ويفرض سيطرة الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الشرقية المتحدة بها.
في المقابل، سيتعامل شاعر القومية الأوكرانية تاراس تشفتشنيكو مع مخطوطة تاريخ روس القديمة على أنها ملحمة شعرية عن كيان له من العمر ألف عام ويرفض سواء بسواء، الهيمنة الروسية كما البولندية. كان الجامع المشترك بين الروس والبولنديين هو اعتبار اللغة التي يتكلم مالوروسيا، أي روسيا الصغرى، ونوفوروسيا، أو روسيا الجديدة، بالنسبة الى المناطق المتاخمة للبحر الأسود، أو روتينيا أي المناطق السلافية الشرقية التي كانت خاضعة للكومنولث البولندي الليتواني، بمثابة لغة منحرفة عن الروسية أو عن البولندية. تشفتشنكو وجيل الرواد من الحركة القومية الأوكرانية سيسعون في المقابل للتأكيد بأنها لغة مستقلّة لأمّة أرادوا لها أن تكون مستقلّة، ولفكرة أوكرانية تقطع مع كل من الهويتين المالوروسية والروتينية اللتين جاهرت بالدفاع عنهما نخب ثقافية مقابلة في المناطق التي ستتشكل منها بعد ذاك اوكرانيا.
ولد تاراس تشفتشنكو قبل أسابيع قليلة من غزو قوزاق القيصر لمدينة باريس. القوميون الأوكران فرغوا لتوّهم من ذكرى احتفالهم بولادته. ما قام به هذا الشاعر لا يقدّر بثمن بالنسبة إلى أمّته: فهو، والى حد بعيد، أنبتها من شعره. كان تصور تشتفتشنكو عن الأمة والقومية مستقى بالأحرى من تراث الحركات القومية في أوروبا الوسطى والشرقية، التي لا تعتبر الدولة هي صانعة الأمة، وانما الأمة هي التي ينطق بها الشعراء، من خلال استعادة وترتيب ذاكرتها بشكل ملحمي وتفصيل لغتها عل قاعدة اصطفاء وتحديث لهجات فلاحية بعينها. القوميات في أوروبا الشرقية هي النموذج الأمضى لـالمجتمعات المتخيلة، عن بندكت اندرسون. الحالة الأوكرانية يجوز وصفها بأنها الأكثر غلواً ضمن هذا النموذج. استعاد تاراس تشفتشنكو سيرة تاريخ روس القديمة، أو امارة كييف، وبدلاً من السردية الروسية التي روّجت الى أن مجد روس كييف أعطي لـروس موسكو، ثم للجامعة الامبراطورية الروسية، ذهب بعيداً في تصوير القوزاق المتفلتين من كل نير وقبضة، كاستمرارية قومية كفاحية لكييف القديمة. ولأجل ذلك لم يغفر تشفتشنكنو للهتمان بوهدان خملنتسكي، الذي ينظر اليه في الوقت نفسه على انه باعث الأمة الأوكرانية، في ثورة 1648 على النبالة البولندية، بأنه بايع قياصرة الموسكوب في بيريسلاف عام 1654. قوميون اوكران آخرون سيجهدون للقول بأنه خملنتسكي تحالف مع موسكو ندّياً ولم يبايعها. لكن تاريخ الجماعات المسلحة القوزاقية يبقى اكثر تعددية وتعقيداً وتبدلاً من هذا التعليب القومي له. وقبل ان نجدهم الى جانب الاسكندر الاول في باريس، وفي صفوف الجيوش البيضاء والخضراء المعادية للبلاشفة في ايام الحرب الاهلية الروسية، وقبل ان نجد فئات منهم تحارب في صفوف القوات الملحقة بالاحتلال الالماني في سني الحرب العالمية الثانية، حارب القوزاق إلى جانب السويديين ضد بطرس الاكبر في بولتافا، ومع الروس ضد البولنديين، ومع وضد التتار والعثمانيين والنمساويين.
طريف امر الهتمان بوهدان خملنتسكي. المؤرخون السوفيات جعلوا منه رائداً من رواد الصراع الطبقي الذي خاضه الفلاحون ضد الاقطاعية البولندية. الكنيسة جعلت منه مجاهداً ارثوذكسياً ضد الكاثوليكية ونسبت اليه النية في استكمال القتال حتى تحرير القسطنطينية. البولنديون لن يغفروا له أنه أضاع ملكهم الفسيح ومهّد لسيطرة روسيا عليهم بالحديد والنار. اليهود ذاقوا الويلات على يده وشكلت بوغروماته - والبوغروم لفظة روسية تعني ان تعيث فساداً في الأرض - نقطة تدشين للاسامية الحديثة، وباعثاً للنزعات الاحيائية المسيحانية والقومية الدينية اللاواعية كحركة المسيح شبطاي تسفي في بلادنا العثمانية. في كل الحالات يقدّر المؤرخ تيموثي سنيدر عدد الذين قضوا في سلسلة الانتفاضات والحروب التي ستشعلها حركة خملنتسكي في منتصف القرن السابع عشر بحوالي ثلث سكان الكومنولث البولندي - الليتواني.
الذين اقتحموا باريس قبل مئتي عام هم أوكران اذاً، إذا ما أخذنا بالسردية القومية الاوكرانية للتاريخ الحديث، وهم روس اذا ما أخذنا بالسردية الروسية. الملفت في هذا المجال، انه بخلاف الفكرة القومية الاوكرانية المتأثرة بأسلوب توليد الحركات القومية لأممها في أوروبا الشرقية والوسطى، فان الأفكار القومية الروسية كانت أشد تأثراً بالفكر القومي في أوروبا الغربية الذي يربط بناء الأمة بالدولة، وهذه على أية حال زاوية نظر المؤرخ الكسيس ميللر في كتابه المرجعي المسألة الأوكرانية - الامبراطورية الروسية والقومية في القرن التاسع عشر. يستبعد ميللر أطروحة الروسنة القسرية والمنهجية التي سوف يحيكها القوميون الأوكران، مفضلاً. بدلاً من ذلك الحديث عن روسنة إدارية تشبه الى حد كبير الفرنسة الادارية في فرنسا، التي كان أكثر من ربع سكانها لا يتكلم الفرنسية في القرن التاسع عشر، وبمسافة تفاهم لغوي اكثر عسراً من التفاهم اللغوي بين روسيا ومالوروسيا. كذلك، يميز ميللر بين الامبراطورية الروسية والقومية الروسية المعتدلة من فوق، وبين النخب الداعية من تحت الى الفكرة القومية الروسية، والتي كانت في معظم الاحيان في مواجهة العهد القيصري ويلحق بها من أذى اضعاف ما كان يلحق دعاة القومية الأوكرانية. فكما حال الدولة العثمانية، التي لم تتبن القومية الطورانية ولا القومية التركية، وان جنحت لتخليط الجامعة الاسلامية بشيء منهما، ظلت الامبراطورية الروسية تعتمد اوراق هوية ايديولوجية مختلفة لها: جامعة ارثوذكسية، جامعة سلافية، قومية روسية.
ستمرّ الذكرى المئوية الثانية لدخول قوزاق اوكرانيا باريس على رأس تحالف شعوب وملوك وجيوش قاده القيصر اسكندر الاول في وقت يجتاز فيه شرق القارة الأوروبية اخطر تحد له منذ نهاية الحرب الباردة، بل في وقت يبدو فيه نظام يالطا الذي ظلّ يرقّع بطريقة أو بأخرى على امتداد العقود المنصرمة، وكأنه يتهافت في يالطا نفسها. ستمرّ، والنزعة القومية الأوكرانية تريد أسطرة التاريخ في ثلاثية بوهدان خملنتسكي باعث الأمة في القرن السابع عشر، وتاراس تشفتشنكوو ناطقها في القرن التاسع عشر، وستيبان بانديرا، قائد حرب عصاباتها الى جانب المانيا الهتلرية ضد الاتحاد السوفياتي، لكن ايضاً ضد عشرات الآلاف من البولنديين الذين قتلتهم عصابات الجيش الاوكراني المتمرد في سني الحرب وحتى بداية الخمسينيات. ستمرّ الذكرى، وروسيا تراكم المزيد من التشنج في العلاقات الدولية من سنة الى سنة، والمزيد من الانقلاب على شبهة الديموقراطية في الداخل الروسي. ستمرّ ورأس الدولة فيها لم يقطع بعد مع ذهنية الفوتشينا، اي النظر الى البلد كـعزبة، والى البلد المجاور كـعزبة مجاورة هي أيضاً له. وفي كل هذه المعمعة، سيبقى الممانع العربي يقارب الحدث كخبير استراتيجي مزعوم يخلط بين الجيوستراتيجيا وبين رمي النرد في لعبة الريسك، وسيظل الليبرالي العربي يرى نفسه في ثنائية أحرار في مقابل مستبدين ليس الا. كلاهما يتعامل مع العالم على انه هو هو الحلبة المحلية أو الاقليمية على كبير ليس اكثر.
الرؤية المغايرة تستدعي النظر الى التاريخ على انه تاريخ تنخسف فيه الأراضي وتتبدل عليها الاسماء والمعاني وتنشطر فيه السردية الواحدة مشاريع سرديات متناحرة. وهذا يستدعي، وفي البال التاريخ كما الحدث الروسي - الاوكراني، الاقلاع عن اثنتين: التصور العقيم الذي يحسب ان عصر الدول - الأمم يلغي الامبراطوريات بشكل قطعي ونهائي، في حين ان تاريخ العالم كما يعتني به فردرك كوبر تحديداً هو تاريخ تساكن بين انماط من الدولة - الأمة وبين أنماط مختلفة من الاستمرارية الامبراطورية، كحال روسيا. بالتوازي، يجدر الاقلاع عن النظرة السطحية التي ترى ان العالم قد خلا من الأفكار والحركات والمشاريع القومية. هنا أيضاً، الدراسات حول القومية لا تزال احد عناوين التغييب الفكري والبحثي الاساسي عربياً، لأن بلدياتنا مسحورون بمجرّدات المواطنة والدولة يلوكونها صبحاً ومساء.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.