8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بوتين وأخصامه الأوكران: ربيع جديد للأفكار القوميّة

يهرب العرب من الفكرة القوميّة حالياً. هذا حسن إن قُصِدَ بها احياء موجات الفكرة القومية العربية الرسالية كما خبرناها في القرن المنصرم. لكنه سيئ ان جرى التوهّم بأن عصر القوميّات والحركات القوميّة صار وراءنا، وأنّه ليس أمامنا سوى بناء دول مجرّدة تتشكل من مواطنين مجرّدين، وتعامل فيه كل دولة الثانية على أنّها مواطنة متساوية معها في الحقوق والواجبات أمام القانون والمجتمع الدوليين المجرّدين.
ان يكن من مدخل أوّل يعنينا عند تناول الحدث الأوكراني الروسيّ الملتهب حالياً فهو تذكيرنا بما جهد الباحث الفرنسي الان ديكوف قبل سنوات للتذكير به، من ان الأفكار القومية ما زالت مغرية، ومرشّحة للمزيد من الاغراء في عالم اليوم، وان الأفكار والنزعات القومية ليس يمكنها الا ان تتوالد من جديد عند كل عتبة ومنعطف، وتحديداً لأن مبدأ تقرير المصير لا يمكن حصره في تعريف معين، ولا يمكن تعطيله أو تحييده، أو وقفه على معايير دون أخرى.
والحال أنّه، وقبل الغوص في التحاليل الجيوستراتيجية التي ترمي النرد عربياً كما لو أننا في لعبة الريسك، نحن حيال حدث يحمل الكثير من الأبعاد القومية. ليس فقط من ناحية تقدير منسوب القوميين المتطرفين ضمن الحراك الأوكراني، بل أساساً لفهم ما الذي يمكنه فعلاً أن يصنع للأوكران كيانية سياسية وطنية، تكون جامعة لتعدديتهم الحادّة من ناحية، وما الذي يمكنه، من ناحية ثانية، أن يجعل الحدود بينهم وبين روسيا الاتحادية تؤخذ على محمل الجد.
فمشكلة اوكرانيا مع روسيا مزدوجة: انها مشكلة فائض تشابه قبل أن تكون مشكلة اختلاف. لا يقتصر الأمر على هذا القسم من السكّان الذي يشعر بأنه اوكراني روسي قلباً وقالباً، بل انه يشمل الأكثرية العظمى من السكّان حيث يجد كل واحد صعوبة في تقدير نسبة الروسنة في هويته الأوكرانية.
ككل الحركات القومية التي نهضت في الشعوب المفتقدة الى تراث كياني سياسي مستقلّ كان على الحركة القومية الاوكرانية ان تبحث في التراث الثقافي، في أغاني الفلاحين وفولكولور القرى، عما يقيم أودها كحركة قومية، فجرى ابتداع اللغة الأوكرانية على قاعدة اصطفاء لهجة اقاليم بعينها دون الأقاليم الأخرى. هذه اللغة التي أريد فرضها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وبشكل أحادي وطائش، لم تكن هي اللغة التي كتب بها عمالقة الأدب في اوكرانيا، أمثال نيقولاي غوغول في العصر القيصري وميخائيل بولغاكوف في العصر السوفياتي. هؤلاء كتبوا بالروسية.
من أوجه التغييب العربي للأبعاد القومية للأزمة الراهنة، أنّ أهل الممانعة ينظرون الى فلاديمير بوتين بصفته الممانع الكونيّ الأوّل، في حين لا يرى معظم أخصامهم فيما يجري سوى على أنه صراع بين حرّية والاستبداد.
في الحالة الأولى، يعامل الممانعون روسيا الاتحادية على أنها الاتحاد السوفياتي في طور الانبعاث من جديد، أو قل الاتحاد السوفياتي البعثي. أما في الحالة الثانية، فيذهب أخصام الممانعة بعيداً في الروسوفوبيا. في الحالتين، يجري التوهم بأن العالم صار حلبة صراع سياسية واحدة. ممانعون مقابل امبرياليون في الأولى، أحرار مقابل مستبدين في الثانية. في الحالتين، يجري التوهّم بأن المسألة السورية هي محور تناقضات العالم اليوم، وأن المسألة الأوكرانية بها تقرأ، أو يجري النظر الى كل الانقسامات هنا وهناك عبر العالم على انها تكرار للانقسام الذي نعيشه في لبنان وسوريا. لكن الأمور ليست هكذا. أيضاً لأن عالم اليوم زاخر بالنزعات القومية.
والإشكال هنا: ان حجب الشعارات الربيعية العربية للمسائل القومية، بحجة أنها دفنت يوم دفنت القومية العربية، هو تسطيح يمنع الرؤية. فلاديمير بوتين وأخصامه في كييف يتشاركون فيما نرفض رؤيته: يتشاركون في ربيع جديد من النزعات القومية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00