8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أوكرانيا الأوليغارشية والميدان والفاشية والحرّية

لم يصل فيكتور يانكوفيتش الى رئاسة اوكرانيا بداية العام 2010 بانقلاب عسكري أو بـ حركة تصحيحية، لكن بعد أن أطاح رمز الثورة البرتقالية يوليا تيموشنكو من طريق الصناديق، في انتخابات حرّة تعددية. كان ذلك بعد أن سجّل الطاقم الليبرالي الذي حكم البلاد منذ بداية العام 2005 اخفاقاً ذريعاً في معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وفي الحد من الانقسام الكيانيّ بين الأوكرانيتين، الغربية ذات النزعة القومية المنغلقة والمتطلعة الى اوروبا في آن، والشرقية والجنوبية الناطقة باللغة الروسية والأكثر ثراء وتصنيعاً من القسم المنادي بالأحلام الأوروبية.
الا انّ يانكوفيتش لم يكذّب خبراً. ما كاد يصل الى السلطة حتى زجّ بتيموشنكو في السجن، تاركاً المجال لفلاديمير بوتين للتشفي بها من خلال عرضه نقلها الى روسيا لتلقي العلاج من مرض السرطان.
واليوم، بعد إطاحة يانكوفيتش، صحيح ان اطلاق تيموشنكو يحمل طعم الحرّية، ما دام القاؤها في السجن عنواناً لفرض أجندة احدى الأوكرانيتين على الأخرى، لكن الذهاب بعيداً في تبجيل جان دارك الثورة البرتقالية لا تتيحه الوقائع، فـأميرة الغاز كما يسمّيها أخصامها، من رموز الطبقة الأوليغارشية، وقد تمكنت وحدها من جني خمسة مليارات دولار في السنوات الخمس التالية لسقوط الاتحاد السوفياتي، وليس أبداً بالاحتكام الى قوانين السوق، وانما بالاستفادة من هشاشة القوانين وتزاحم المافيات على نهب الثروات الطبيعية ومؤسسات الدولة الاشتراكية المنهارة. ويانكوفيتش بدوره، ليس أوليغارشياً فحسب، ورمزاً للكارتيل المافيوي المقابل فقط، بل انه فوق ذلك لصّ منذ نعومة أظفاره، اذ دخل سجن الأحداث في الزمن السوفياتي لارتكابه جرائم نشل وسرقة. ثمة مكان اذاً، ولو عرضاً، عند مقاربة الحدث الأوكراني، لجملة من قبيل يا عزيزي كلنا لصوص! وبالإذن من الفيلم المصري الذي يحمل الإسم.
لا يعني ذلك أنّ الحدث يمكنه أن يختصر بصراع منظومتين أوليغارشيتين شرقية وغربية، ولا بالموازنة بينهما. فالأوليغارشيا الأوراسية لا تعرف من سبيل للحكم غير النظام التسلّطي وقمع المجتمع المدني والإجهاز على الحرّيات والتبعية لروسيا، في حين أنّ التحالف المواجه لها في المقاطعات الوسطى والغربية يظلّ خليطاً متعدّداً من القوى المدنية والتحرّرية ومن الجماعات القومية العضوية والمتشددة التي تحيل بطريقة أو بأخرى على ماضي منظمة القوميين الأوكران وزعيمها ستيبان بانديرا رمز التعاون مع النازيين في سنوات الإحتلال، والذي أردته المخابرات السوفياتية صريعاً في ميونيخ، استباقاً لمحاولة اعادة استخدامه من الألمان الغربيين في عزّ الحرب الباردة.
وسيرة بانديرا وتلامذته غيض من فيض يسمح للدعاية الروسية بأن تغالي بشكل غير معقول في وصم كافة المنتفضين على يانكوفيتش بالفاشية والنازية. بعض هذا الغلو يذكرنا بالمصير القاتم للدعاية الرسمية في المانيا الشرقية التي ظلت تتحدث عن نازيين جدد يحكمون الشطر الغربي من المانيا. استند ذلك الى معطيات جدّية في أوّل الأمر، اذ جرى تبييض صفحات آلاف النازيين السابقين لاعادة بناء الدولة في المانيا الغربية، لكن مع مرور الوقت سهّلت هذه الدعاية فساد النموذج الشيوعي في المانيا الشرقية في مقابل نجاح المانيا الغربية في بناء ديموقراطية ليبرالية وفدرالية واجتماعية، ومن خلال هذه المبارزة غير المتكافئة بين الألمانيتين حُسِمت الحرب الباردة.
يختلف الوضع بين الأوكرانيتين عن الوضع بين الألمانيتين طبعاً. الشطر الشرقي أكثر تقدّماً اقتصادياً، والشطر الغربي أكثر تقدّماً سياسياً، ان جازفنا بالاختصار. اوراسيا بوتين تريد إلحاق الشطر الشرقي والجنوبي من اوكرانيا تبعياً بها، والغرب الأطلسي الذي ضيّع فرصة مواكبة الثورة البرتقالية الأولى اقتصادياً لن يفعل ذلك الآن. هذا الوضع يترك المجال أكثر فأكثر لازدهار مجموعات السوتنيا أو الوحدات القتالية الميدانية، ومعها ثقافة العنف الأهلي.
صحيح أنّ مؤرخاً كبيراً لتاريخ شرق أوروبا المعاصر مثل تيموثي سنيدر يشدّد اليوم على غلبة الأفكار التحررية والمدنية لدى شباب حركة اورو - ميدان، لكنه يدعو أيضاً الى النباهة من اليمين المتطرف، وهو ان كان محقاً في جعل نسبة هذا التطرف في اوكرانيا أقل من النسبة العددية لنظرائه في فرنسا أو النمسا، الا انّه يغفل أن التربة الأوكرانية، بمأزقها الكياني، وبطالتها الشبابية المرتفعة، وذاكرتها الأكثر جرأة على احتضان أبطال قوميين حاربوا الى جانب النازيين، وحوربوا منهم أحياناً، ومجال العنف الأهلي المفتوح، انما تحيل الى سياق مختلف من التحديات. ذلك ان تصاعد النزعات القومية، الامبراطورية الروسية أو الأوراسية، والقومية العضوية في الجمهوريات السوفياتية السابقة الأخرى، لا يشي كثيراً بأننا عشية موجة جديدة من التوسع الديموقراطي الليبرالي نحو الشرق. الطريق ستكون أكثر من متعرّجة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00