أدونيس وميشال عون. الأوّل شاعر يعد نفسه بجائزة نوبل للآداب في خريف كل عام. الثاني قائد سابق للجيش اللبناني يمنّي النفس عبثاً بالرئاسة عند كل استحقاق. الأول يرى أنه الأصلح إبداعياً لنيل الجائزة، والثاني يؤمن بأن كرسي بعبدا لم تصمّم إلا له. من بعد ذلك تجمعهما اللحظة الراهنة: أدونيس شاعر تحالف الأقليّات وميشال عون عماده. عماده؟ ليس طبعاً بمعنى أنّه يحلّ ويربط في هذا الحلف. إنّما بمعنى أنه عمدة السير بالموارنة والمسيحيين اللبنانيين في حلف كان عُرِض عليهم غير مرة، في أواخر السبعينات ورفضوه (حرب المئة يوم)، وفي الثمانينات ولفظوه (الاتفاق الثلاثي وإسقاطه)، وفي التسعينات قاوموه (الحراك السيادي، العوني القواتي أساساً، في مواجهة مسيحيي نظام الوصاية).
أدونيس وميشال عون. الأول سيورث الأجيال المقبلة مع ذلك تجربة في التحديث الشعري، وأغاني مهيار الدمشقي وبضعة دواوين شعر تختلف الذائقة النقدية حولها، وأطروحة في الثابت والمتحول تستجمع شتات الاستشراق والأساليب المتقادمة في النقد الأدبي، وقد أكل عليها الدهر وشرب.
لكن ميشال عون، ماذا عن عون؟ ما الذي ستورثه يا جنرال أمدّ الله بعمرك للموارنة وعموم المسيحيين؟ وما الذي ستورثه لعموم اللبنانيين؟ نظرة تجدّد الإيمان بالكيانية والميثاقية وبالفكرة اللبنانية؟ أو نظرة تجحد بهذه الفكرة وتشطب حدود الكيان وشخصيته الوطنية وتستلهم الاعتباطية بدل الميثاق؟ هل ستورثهم نتائج حرب التحرير أو نتائج حرب الإلغاء, أو نتائج تفاهم مار مخايل, أو نتائج تسميتك بطريركاً للشرق كله من قبل نظام الملالي الإيراني، أو ستورثهم نعم البصيرة في نبوءتك الشهيرة بأن كل شيء انتهى في سوريا، أو تبريرك وتيارك لما يقوم به حزب الله هناك؟
أنت تحصر خلافتك بين الصهرين يا جنرال، لكن ما الذي ستورثه لأحدهما، ولتيارك، وللمسيحيين واللبنانيين؟ لا شك أن شعبيتك وإن انحسرت عما كانت عليه ذات يوم فقد حافظت على الكثير منها، ولم يستطع أخصامك المباشرون على الساحة المسيحية أن يجتذبوا كثيراً من انفض عنك أو خفّت حماسته، هذا مع أنّ النزيف في كوادر تيارك فاق النزيف في شعبيتك وكشف عن الوهن في التيار الذي سعيت إلى إطلاقه وتنظيمه قبل أن يتضح للكثيرين أنك تسعى إلى استحداث عائلة سياسية جديدة، تتأسس بالمصاهرة، وبشكل يحذف قيمة تفاضلية بحسب الناس أنها لك في مقابل الطبقة السياسية ذات يوم. لكن ما الذي ستورثه لهذه القاعدة الشعبية؟ مكافحة الفساد؟ الإصلاح المالي؟ العدالة الاجتماعية؟ تفعيل التنمية؟ مواجهة هجرة المسيحيين من بلد يصادر فيه تنظيم مسلح خميني قرار حربه وسلمه، ويستخدم سلاحه في الداخل، ضد المناطق والطوائف الأخرى، ويعد بتغيير تركيبة النظام في حال فوزه بالانتخابات حتى إذا خسر هزأ بالانتخابات نفسها، وآطاح بنتائجها، ثم استأنف الفتنة الكبرى بزجه لشباب في مقتبل العمر في أتون الحرب السورية؟
هل ستورث جماعتك يا جنرال كلمة حق في حضرة سلطان جائر، وقد نسيت شبابك المعتقلين والمفقودين في سوريا وأنت تصافح طاغية الشام، أو ستورثهم عروبة متصالحة مع الكيانية اللبنانية من بوابة زيارة مبايعتك لنظام الملالي في إيران؟ هل ستورثهم كلمة حق أمام سلطان جائر وقد نسيت شبابك في السجون السورية عند حلولك ضيفاً حليفاً عند نظام بشار الأسد؟ نعم، أخطاء قوى الرابع عشر من آذار الكثيرة، والمخاوف المشروعة من تصاعد التيارات المتشددة دينياً في المنطقة، ومن تعاظم منسوب الحركات المتطرفة العنيفة في وقائع الثورة السورية، إنما تشكّل زاداً لتواصل هذه الشعبية، لكن ما هي وصاياك لجماعتك يا جنرال بالنسبة للتعاطي مع النسيج الأكثري في هذه المنطقة، ومع الطائفة السنية اللبنانية؟ الوصل الميثاقي أو الحملة الدائمة على السني المعتدل لأنه معتدل، وعلى السني المتطرف لأنه متطرّف؟ هل ستورثهم حقداً أو سماحة؟ هل ستورثهم طمأنينة؟ هل ستورثهم وعياً تاريخياً؟ ستورثهم خطاً بيانياً من التحالفات الاعتباطية: من موقعك خلال الاجتياح الاسرائيلي على ذمة آلان مينار، والصور التي تروي، إلى تحالفك مع نظام صدام حسين وتبريرك لغزوه الكويت، الى تحالفك مع عتاة المحافظين الجدد، ونصرتك للغزو الأميركي للعراق، ودعوتك لغزو سوريا، إلى تحالفك مع أشياع النظام السوري في لبنان ثم مع النظام نفسه، وتحالفك مع حزب الله ثم مع نظام الملالي بذاته وقد نصبك بطريركاً سياسياً على مسيحيي الشرق، إلى اندراجك التبعي في هذه المنظومة التي تنهش في روح ولحم الشعب السوري الثائر، وتحاول التدليس على قومته، وتجعل المسيحيين رهائن للاستبداد والطاغوت أو أكياس رمل يستخدمها مقاتلو الممانعة.
تحالفاتك كلها غريبة ومسارها أغرب، لكن تحالفك الأخير ليس كسابقاته. هذه المرة، وكما يقال في الأفلام الشعبية المصرية: دخول الحمام مش زي خروجه. صدام أعطاك سلاحاً، المحافظون الجدد قرروا محاسبة سوريا وتحرير لبنان، لكن ما الذي أعطاك إياه البعث الأسدي وحزب الله؟ الرئاسة؟ هيهات. جملة من العطايا؟ قليلة على من وضع نفسه في مصاف فؤاد شهاب ذات يوم، بل قارن نفسه بشارل ديغول. ساعدوك في استحداث عائلة سياسية لبنانية؟ أفقدوك بذلك الفضيلة التي كانت تحتسب لك دون معظم الطبقة السياسية اللبنانية، وكان ذلك على حساب خيرة كوادرك ممن كافح واضطهد في سني الوصاية. ستورثهم ابتعاداً عن أثمن ما حققته المارونية التاريخية: المارونية نشأت كنقد عميق لكنائس الشرق الأخرى في المرحلة العربية الإسلامية. رفضت النموذج الذمي الذي يخدم في بلاط الأمراء ويحتفظ بمركبات الوصل مع الماضي ما قبل الإسلامي الذي لن يعود.
بخلاف الكنائس الأخرى، لم يكن وجود المارونية تاريخياً قبل الفتوحات العربية. انتقلت من حالة تنسكية إلى تنظيم كنسي وطقسي ولاهوتي واجتماعي وحضاري بعد الفتوحات. عجنت نفسها بشظف العيش، والوعورة البعلية، والورع. ماذا عن كل هذا يا جنرال؟ وماذا عن الخيار التاريخي التصاعدي الذي اتخذته هذه الجماعة في الانتماء لمسيحية لا ذمية، استكملت رابطتها بالحضارة الغربية إبان عصر النهضة الايطالية ليترجم ذلك بعد عدة قرون إسهاماً قوياً في تأمين مقدمات النهضة اللغوية والثقافية والأدبية والفكرية العربية؟ ستورثهم تحالف أقليات يا جنرال؟ لا التشدد الماروني في زجليات ابن القلاعي تعرف على نفسه في التحالف بين الاقليات، ولا الانفتاح الماروني والاندماج في المشاريع التنويرية في القرن التاسع عشر تعرف على نفسه فيه. لا شك أنّه يمكن أن يعاب على الموارنة تمركزهم حول ذاتهم وقلة اكتراثهم تاريخياً بمصير الكنائس الأخرى في البلدان المجاورة، ومآسي الأرمن في الأناضول وكيليكية، والسريان، والأشوريين في العراق، لكن أن يكون تصحيح هذا الخطأ برهن الوجود المسيحي لنظامَي بشار الاسد وعلي خامنئي في مقابل تحويله إلى وجود أركيولوجي لا سياسي، فهذا نقض للوجود التاريخي الذي كرّس خصوصية الموارنة، كطائفة قد تغلظ في هيمنتها على الطوائف الأخرى في بدايات تشكل الدولة اللبنانية الحديثة، لكنها لا يمكن أن تعيش نفسها كأسيرة لاضطهاد فئوي يريد أن يحسب المسيحيون عليه وأن يقمعهم في آن, وأن يستثمر في الانفعالية ضدهم. لكنك ستورثهم في المقابل خلاصة كل الأفكار والسياسات التي ألحقت الضرر البالغ بالمسيحيين اللبنانيين في القرن الماضي: فكرة أنه لا بد في لبنان من عصبية مهيمنة، مع العلم أنها هذه المرة لم تعد مارونية بل هناك مشروع لتغلب فئوي يريد حزب الله أن يزج كامل الطائفة الشيعية الإمامية فيه. وفكرة أنه لا بد للمسيحيين من قائد خلاصي أحادي، مع أنك تعلم أن الكاريزما التي لك لن يرثها أي من المقربين لك حالياً، ولا شيء يوحي بأنك حضّرت التنظيم جيداً لكي يعوّض عن غياب الكاريزما بعد حين.
حزب الله لم ينقدك الرئاسة. ساهم في انتفاخة حولك. استحدثت بفضل هذه الانتفاخة عائلة سياسية. هل هذه كانت أقصى طموحاتك يا جنرال؟ لست وحدك يا جنرال المعني بهذا الكلام. أنت معني به أكثر من سواك. لكنه يندرج في مفاتحة لا بدّ منها بين الجيل المسيحي الذي سينسحب بيولوجياً من الساحة اليوم أو غداً وبين الجيل الطالع والذي يليه. هذه العلاقة مع حزب الله هل يمكن التبشير بها؟ هذا الوجود المسيحي الأعزل من السلاح في مقابل حزب الله المدجج به هل يمكن الاطمئنان إليه؟ هذا الهجوم المنهجي على السنة عندما حملوا الراية الكيانية والميثاقية والاستقلالية هل يمكن بعده تجديد الإيمان المسيحي بالفكرة اللبنانية بلا تعب؟ ستورثهم المشرقية: تحللاً كيفياً من الكيانية اللبنانية والميثاق بذريعة محاربة الإرهابيين في سوريا. تغييب كامل لفكرة الحدود الوطنية بين بلدين.
ستورثهم استذكار الكيانية اللبنانية فقط عندما يتعلّق الأمر بالتحريض على الفقراء الضعفاء، من النازحين السوريين. ستورثهم أغاني حرب التحرير، معدّلة بعض الشيء ليوضع فيها اسم جامع جامع بدل اسمك على سبيل المثال لا الحصر. ستورثهم قصة حلم أسطوري عجائبي بالعودة رئيساً إلى قصر بعبدا. ستورثهم تطبيقاً حرفياً على طريقتك لما يقوله أدونيس، فيأغاني مهيار الدمشقي: ملك مهيار، ملك والحلم له قصر وحدائق ونار. القصر لن يأتي. الحديقة سجن. النار تأكل النار.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.