الاتفاق الإيراني الدولي يستبدل أنماط النفوذ
مستوى المجازفة في الإتفاق الذي وقّع بين ايران ومجموعة الدول الست غير قليل، طالما أن نقاطاً تقنّية حسّاسة كانت دخلت في صميم الفعالية الرقابية على ما كانت تقتضيه الوكالة الدولية للطاقة الذرّية لم يؤخذ بها، أو تركت قيد الإلتباس. هذه المجازفة الغربية تتجاوز مسألة حفظ ماء الوجه للإيرانيين كما قد يطيب للمعسكر المناهض لسياسة ايران الهيمنية والمذهبية في المنطقة أن يعتقد. ما قد يبدو قضايا تقنية تفصيلية بموجب الإطار الذي يرسمه هذا الإتفاق سيحتاج على الأرجح الى مفاوضات مريرة بداعي التطبيق. هذه المفاوضات ستكون أكثر ارتباطاً من الآن فصاعداً مع بداية الحوار المتشعب الذي يسمح به هكذا اتفاق بين ايران والغرب، ابتداء من معالجة مسألة العقوبات الاقتصادية والتجارية، ووصولاً الى مختلف المسائل الإقليمية المتعلّقة بالنفوذ الإيراني وأشكاله، وآفاق استبدال أنماط من هذا النفوذ بأخرى. لا وجه للشبه بين تفكيك المنظومة الكيماوية السورية وبين الإتفاق الأخير. دعائياً يمكن طبعاً الغمز من قناة الشعارات المناهضة للامبريالية في طهران وما آلت اليه. لكن الاسترسال في هذا الغمز لا يفيد كثيراً. أوّلاً لأنّ ما بعد الإتفاق لن يكون مجرّد تطبيق اجرائي او اداري له، بل حلقات جديدة من الشدّ واللين، ومن القبض والبسط على مدى الإقليم، وستكون للرطانة الشعبوية المعادية للامبريالية دورها أنى دعت الحاجة، تماماً مثلما أنّ التقاطع الأميركي - الايراني ابان اسقاط الولايات المتحدة لنظام صدّام حسين لم يحل دون صعود النغمة المعادية لواشنطن في ايران اثر ذلك. ينبغي الافلات من سطوة المشاهد التي لا تشبه ما هو حاصل الآن. لسنا أمام وضعية معمر القذافي وهو يسوي قضية لوكربي، ولا أمام وضعية بشار الأسد وهو يفكك الترسانة الكيماوية من بعد استعمالها. لكننا أيضاً بعيدون جداً عن لحظة انقلابية في المشهد، تقارن مثلاً بلحظة الانقلاب في علاقة الغرب مع بكين وتايبيه، يوم طردت الصين الوطنية من مجلس الأمن وحلّت مكانها الصين الشعبية ويوم صارت بكين عملياً مائلة للغرب في الحرب الباردة. مهما كانت المؤثرات المباشرة للحظة الراهنة، لن تنقلب نسبة كل من معسكري الممانعة والاعتدال في المنطقة بشكل دراماتيكي لتصبح الممانعة اعتدالاً، أو الاعتدال ممانعة.الإتفاق في جنيف هو فعلاً تاريخي. هو تحوّل. وجه التحوّل أنّه يرسم اطاراً يمكن من خلاله للسياسة الايرانية أن تستبدل أنماطاً من جموحها ونفوذها تقلق المجتمع الدولي ولا تنفع الايرانيين كثيراً، بأنماط أكثر رشداً تكرّس ايران احدى الأمم الأسيوية الرئيسية في هذا القرن. لكن هذا الاطار الذي يرسمه الاتفاق لا بدّ وأن يطرح تحديات أساسية للمنظومة الأيديولوجية التي يقوم عليها النظام. في كتابه ايران الثورية. تاريخ للجمهورية الاسلامية يذكر مايكل اكسورثي ان القائد السابق للباسدران محسن رضائي، وفي ندوة ذات طابع اكاديمي جمعته بأميركيين واسرائيليين بأثينا قبل عشر سنوات، كان قد استشرف امكانية ان تنتهج بلاده سياسة ذات طابع باكستاني او ماليزي حيال الدولة العبرية، أي عدم اعتراف دائم من دون سياسة عدائية حيوية. بعد الاتفاق الأخير، هل باشرت طهران العد العكسي نحو تطبيق ما ذكره رضائي، أو هي تعتقد فعلاً بأنه يمكن فصل المسارين في هذا المقام؟ الجواب السريع: لا يمكن فصل هذين المسارين الى وقت طويل. تطبيق اتفاقية جنيف رهن بتطبيق النقلة الماليزية التي تحدّث عنها رضائي في أثينا قبل عشر سنوات. دفن النعامة - ان لم يكن الطاووس - رأسها في الفتنة المذهبية السنية الشيعية، وفي النعرة القومية العربية الفارسية لا ينفع كثيراً.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.