إذ أتقدّم بالشكر لرابطة أصدقاء المعلّم كمال جنبلاط لدعوتي للتكلم عن وضع مصر، لا تحضر لي صورة مصر اليوم إلا في صورتين متوازيتين.
الأولى صورة الشاعر والناقد هاني درويش الذي غادرنا في عز العطاء، والذي يجسد الكثير من حيوية الثورة المصرية ويثبت حضور الوعي النقدي فيها، كان لي شرف التعرّف عليه في آخر ليلة قاهرية لي أواخر كانون الثاني من هذا العام، بفضل الصديقين محمد ومروان أبي سمرا، في ليلة لا تنسى، عامرة بمواجهات وسط المدينة وحرافيشها ضد حكم الرئيس محمد مرسي.
أما الصورة الثانية فلضحايا وشهداء مجزرة رابعة العدوية الذي ستبقى حدثاً يحفر في ذاكرتي ولا يمكنني تجاوزه لا أخلاقياً ولا دينياً ولا قانونياً ولا من حيث مقاربتي السياسية، وهو أمر يجذّره اختلافي المللي والأيديولوجي عن الإخوان وليس العكس. هذه المجزرة لا يمكن اشاحة أو حرف النظر عنها اذا ما اعتزمنا الرؤية، وكما ينبغي رؤية الديناميات التحررية في الثورة المصرية، لا تجوز المكابرة على ما هو نقيض ذلك، وما ينبغي تغليبه هو النظرة الشاملة للمشهد المصري بتناقضاته وتعدديته، ومحاذرة التماهي مع الحدث. المسافة النقدية هنا هي ضرورة معرفية بقدر ما هي ضرورة أخلاقية، وما يدعو للبهجة والفرح يختلط بشكل رهيب مع ما هو كابوسي وما هو كارثي.
العام الثالث من الربيع العربي، العالم الثالث من الثورة المصرية، كان عام المفارقات بامتياز. كبرى هذه المفارقات انه العام الذي شهد أوسع مدى بلغته الحركة الجماهيرية، لكنه كان أيضاً العام الذي ترنحت فيه كبرى عمليات التحول في الاتجاه الدستوري والديموقراطي في العالم العربي، سواء لمسؤوليات جسيمة تتحملها القيادة الإخوانية، بل الجسم الإخواني ككل، والذهنية التي لا تزال تمسك بتلابيب الحركة الاسلامية، أو تبعاً لتسيّد الأيديولوجيا الشعبوية التي توزع الأمور بشكل مطلق بين خير وشرّ واشتراك معظم الفرقاء في النهل من هذه الأيديولوجيا الشعبوية، أو للمنحى البونابرتي الذي انتهجته قيادة العسكر، من خلال الاطاحة الانقلابية برئيس منتخب ثم القمع المفوّض لنفسه شعبياً ضد قسم أساسي من الشعب المصري. صحيح أنّ المصريين لم تكن لديهم طفرة من الخيارات بازاء التجربة الفاشلة لحكم الرئيس محمد مرسي وكيفية تعاطي الإخوان مع القوى السياسية الأخرى، ومكابرتهم أمام تصاعد النقمة الشعبية ضدهم، لكن المحاولة الانقلابية، وما ظل يتمادى بعدها من نزوات بونابرتية ومن أعمال تنكيل وبطش واستهانة بثقافة حقوق الإنسان والتحريض على فئة بعينها، إنما أدخلتهم في مرحلة أشد خطورة وستمتد لسنوات.
لقد ارتكب الإخوان المسلمون خطيئة فرض آلية لإقرار مسودة دستور أعوج، لا يقيم وزناً للمساواة القانونية بين المواطنين، ويدمّر أسس قيام عقد اجتماعي بين المصريين، وزادوا عليه تحصين الرئيس لقراراته من الطعن ما جعله بحكم الديكتاتور على الصعيد الشكلي، إنما على رأس جهاز دولة لا هو منها ولا هي منه. الإخوان أدركوا وبحق أن مركز السلطة بقي طيلة هذا الوقت في يد العسكر، حتى بعد إقالة المشير طنطاوي والفريق عنان، وأن ما تسلّموه فعلياً من سلطة من طريق صناديق الاقتراع كان جزئياً، وغير مستقرّ ولو بالحد الأدنى، لكنهم مارسوا السياسة المعاكسة تماماً لهذا الإدراك، من خلال الاستفراد والاستئثار بما أعطي لهم رسمياً من سلطة، والإغداق على هذا المحدود المحصّل بالانتخاب، من لا محدود مرجعيتهم الأيديولوجية والتعبوية، كما لو أن الشرعية اما أن تكون مطلقة أو لا تكون، وقد فاتهم أن الشرعية تزيد وتنقص، وكل هذا طبع ردود فعلهم على النقمة المتنامية ضدهم بمزيج من الطرافة والغباء.
حاول الإخوان التعاطي مع وقائع تسلّمهم لسلطة منتخبة لكن مبهمة، مع بقاء مركز السلطة في يد العسكر والمركب الأمني - البيروقراطي الفضفاض لجهاز الدولة على أنه تفصيل يمكن تجاوزه بفرض أجواء توحي بأنّ الأفق الأخواني لا مهرب منه، فتعاملوا بإقصاء وصلف مع القوى السياسية الأخرى، وراهنوا على احتمالات تأسلم الجيش المصري، بما يمكن أن يفضي الى شراكة معه تذكر بزواج المتعة بين عمر حسن البشير وحسن الترابي، أي العسكر والإخوان في السودان وعلى مدى سنوات، حتى إنهم كانوا ينظرون الى من هو أقرب لهم ومن هو أبعد عنهم على رأس المؤسسة العسكرية بمقياس التزامه الديني، وفي هذا خطأ سياسي كبير، جعلهم غير قادرين على التنبه مبكراً لأبعاد ظاهرة بونابرتية مؤمنة كالتي يشكلها عبد الفتاح السيسي.
في المحصلة اليوم، نحن أمام صعوبة تقارب الاستحالة لأن تتم إعادة إنتاج نظام تسلّطي جديد كالذي كان قائماً قبل خلع الثورة المصرية للرئيس السابق حسني مبارك، لكن هناك أيضاً صعوبة، تقارب الاستحالة أيضاً، لأن يجري استئناف عملية التحول في الاتجاه الديموقراطي، الدستوري - التعددي، طبقاً لخارطة طريق سلمية ممأسسة. لا يمكن التأسيس على مجازر رابعة العدوية للانطلاق نحو الديموقراطية لاحقاً (فنموذج الجمهورية الثالثة الفرنسية المشادة على نهر دماء ضحايا كومونة باريس لا أصل أو أفق له في مصر).
لن تخرج مصر بسرعة ولا بيسر من التصادم والاستنزاف الحاصلين بين العسكر والإسلاميين، وهي لن تتعافى قبل أن تبرأ من هذه الأيديولوجيا الثورية ذات الدينامية التضحوية (القربانية) المصرّة عند كل منعطف من عمر الثورة المصرية على شيطنة وأبلسة طرف بعينه، وتقليد المتواتر والمأثور عن كبرى الثورات في هذا المجال، لتكرار الأخطاء نفسها، والكوارث إياها.
هذه الثنائية التناحرية اليوم بين الإخوان والعسكر كان يمكن التعامل معها بشكل حيوي وسليم ولما فيه صالح الثورة المصرية في السنوات الماضية، لكن ما حدث أن الاخوان والعسكر سارعوا بعد الاطاحة بحسني مبارك الى تجاوز قوى الثورة المصرية الشبابية لفرض تصور مشترك عن المرحلة الانتقالية بين الاخوان والعسكر كـراشدين وبين الآخرين كـأحداث، وهو تصور سمح بشهر عسل بينهما، لكنه من الاساس يحمل بذور تفجّره.
باستحضار بعض من التجربة التركية، كان يمكن لثنائية الإخوان والعسكر أن تتطور بحيث يليّن العسكر الإسلاميين ويليّن الإسلاميون العسكر، ويلجم الواحد غلاظة الآخر، بما يسمح لتنامي المناخات والمسارات الديموقراطية بشكل تدريجي وانتقالها من الهامش الى المتن. لكن هنا أيضاً، وبالاضافة الى مسؤولية العسكر والإسلاميين التطويقية للزخم الثوري بعد سقوط مبارك، فقد نُكبت قوى الثورة المصرية بتصورات أيديولوجية تشيطن عند كل منعطف فريق.
ففي العام الأول من الثورة جرت شيطنة الحزب الوطني الديموقراطي، الفلول، والمكابرة على وجوده الاجتماعي في كل أنحاء مصر، هذا في حين كانت قوى الثورة تعاني من عدم إدراكها الى أن عنصر نجاحها هو هو عنصر محدوديتها. فالثورة مدينة الى حد كبير الى الطفرة الديموغرافية والعمرانية التي جعلت القاهرة ثم الاسكندرية مدناً ميغالوبول لا يمكن أن يتجدد فيهما النظام التسلطي الى ما لا نهاية. لكن انتفاخة الميغالوبول معطوفة على انتفاخة الايديولوجيا الثورية الشعبوية المحصورة في هذه الميغالوبول جعلت قوى الثورة تكابر على عدم اتساعها للأرياف، وسطحية طرقها للمسألة الريفية، والفلاحية بشكل عام، مع تحسس الأشباح المقلقة لحضور هذا الريف الفلاحي في كل من تجري شيطنتهم عند كل عتبة.
في العام الاول تمت شيطنة الحزب الوطني - الفلول، في حين كان الأجدى إعادة تأهيل شرائح أساسية من هذا الحزب، واشراكها في عملية التحول الدستوري التعددي بالشكل الذي كان بمقدوره أن يلعب دوراً أكثر تحسباً من ناحية ذهاب الأمور الى هذه المواجهات الحادة ثم التناحرية، ولا شك أن الفراغ الذي تركه الحزب الوطني بعزله، وسط اصرار شباب الثورة على هذا العزل، انما استفاد منه الاخوان بالدرجة الاولى، قبل أن يعود الفلول الى الواجهة يوم الاطاحة الشعبية العسكرية المشتركة بالرئيس المنتخب محمد مرسي، وهذه المرة كانت عودتهم بـمفعول رجعي، تصفوي، مواكب لعمل انقلابي، بدلاً من اعادة تأهيلهم السياسية بشروط الثورة المصرية وروحيتها.
وفي العام الثاني، جرت شيطنة المجلس العسكري، اذ كان شعار يسقط حكم العسكر هو ايضاً في غير محله طالما لم يتكامل مع إقرار بالدور الأساسي للمؤسسة العسكرية في عملية انتقالية بهذا الحجم كالتي دخلتها مصر مع سقوط نظام مبارك. العسكر هم في آخر الأمر جزء من النسيج الوطني والأهلي للمجتمع المصري ومن خارطة المصالح الطبقية والاقتصادية ولا يمكن التفكير في اقصائهم عن المرحلة الانتقالية بشكل تام من دون الاطمئنان الى البديل، واول ما يمكن تعلمه من مكيافيلي في الامير هو انه يستحسن ان لا تسارع للتخلص من غريمك اذا كنت غير مطمئن الى من هو حليفك، فكيف الامر إن لم يكن حليفك بحليف، وكان من مدرسة الإخوان المسلمين؟!
وفي العام الثالث، جرت الشيطنة الكبرى ضد الإخوان المسلمين وبشكل تحريضي على مبدأ الحريات العامة بذاته، وعلى مدونة حقوق الإنسان بحد ذاتها، فضلاً عن المكابرة على تجذّر الحركة الإسلامية في التاريخ المصري الحديث، واستسهال القول بأن الإخوان كشفوا أنهم لا يمتلكون برنامج، ولذا يمكن الإطاحة بهم بلا وجل، وهذا استسهال ينسى أن الإخوان وعموم الإسلاميين ليسوا بحاجة الى برامج على الطريقة الشيوعية أو الاشتراكية الديموقراطية، إذ يمكنهم الغرف ودوام الغرف من الإسلام، ومن ثنايا التراث الإسلامي التي يمكن انتزاعها وتوظيفها، وهذا متوفر طالما أن القضايا التي تطرح نفسها على مجتمعاتنا لا تزال تدور في حلقات مفرغة ومحبطة تعود فتحيلها الى الغيب. أما الاستسهال الآخر بالقول إن الديموقراطية هي للديموقراطيين فقط وأنها كالنادي الخاص لمن يحسن فهمها فهو يكشف عن دونية كولونيالية تجهض اي عملية تفتّح ديموقراطي في المستعمرات السابقة وأشباه المستعمرات، الأمر الذي يجعل الليبراليون العرب الذين يقولون بحصرية الديموقراطية في نادي الديموقراطيين بمثابة الحاشية لكل من يطرح نفسه كـمستبد مستنير، سواء كان هذا المستنير بلدياً أو دخيلاً.
صحيح أن الإخوان قد خدموا عملية شيطنتهم حين قدموا بتجربتهم في الحكم صورة كاريكاتورية عن تجربتهم في التاريخ، لكن الشرخ الحاصل اليوم ينذر بتحولهم الى ما يشبه الطائفة التي لها خواص إثنية معزولة وعازلة لغيرها وعازلة لنفسها عن القسم الآخر من المصريين - المدينيين، في حين يبقى الاجماع الإيديولوجي على استبعاد الأرياف العربية، والفلاحين بشكل مركز، بمثابة عنصر الوهن الأساسي في القراءات الرائجة ليبرالياً وإسلامياً وشعبوياً للربيع العربي، وهو ما يسري على مصر وغير مصر.
آن أوان القطع مع هذه الأيديولوجيا الثوروية التي تشيطن فريقاً في كل عام، والتي تغفل حقيقة أن المصريين والعرب انتفضوا منذ عام ضد أنظمة كانت تقدّم نفسها كثوروية، وينادي الوادي منها بحصته من الشرعية الثوروية. القطع هنا يعني الوصل مع أفق للربيع كمنحى نقدي تفاعلي لإعادة تأهيل كافة التيارات في ضوء تجربة السنوات الثلاث الماضية، الى نقطة الوعي بأنّ العقد الاجتماعي لا يكون بصيغة إجماع متشكّل على حساب فئة شعبية وسياسية بعينها، وبأن العقد السياسي المنبثق والمحاكي والمبلور - في وقت واحد - لهذا العقد الاجتماعي ينبغي أن يتسع للجميع، للإخواني والسلفي والناصري والماركسي والليبرالي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.