لئن كانت مصر، جغرافياً، هي مركز العالم الإسلامي، فإنّ إندونيسيا، الطرفية جغرافياً من هذه الناحية، هي أكبر الدول الإسلامية من حيث تعداد السكان، وهي الأكثر ريادية ومحوريّة في هذا العالم الإسلامي حين يتعلّق الأمر بتجربة التحوّل الديموقراطيّ.
في هذا الاضطراب المصري والعربي الكبير بين من يقدّس لحظة انتخاب فيعصمها ويعتصم بها، وبين من يقدّس لحظة احتشاد فيمضي بها إلى محنة التفويض البونابرتي والتناحر الأهلي المتلفز، يوفّر لنا الإسلام الأرخبيلي الإندونيسيّ ملاذاً للعقل والنظر والخيال والأمل، إذا أردنا الخروج من أسر الدوامة العسكرية - الإسلامية، واستبعاد الركاكة عند مقاربة إشكاليّات أساسية تطرحها الوقائع المصرية والعربية الربيعية أو الربيعية المضادة (لم نعد نعلم)، ومتعلّقة بقابلية الحركات الإسلاميّة للإقرار بالمنطلق الكوني لحقوق الإنسان، والمساواة بين المواطنين، والمضي في شراكة دستورية وتداول سلميّ على السلطة، وبقابلية العسكر في بلد إسلامي للانفكاك تدريجياً عن مركز السلطة وعدم الانقلاب على التحوّل الديموقراطي، وقابلية أن تكون السياسة الخارجية مستقلة عن السياسة الداخلية، مع دور أساسي للرأي العام في توجيه السياسة الخارجية، وقابلية مجتمع مسلم على المصالحة الوطنية لطي صفحات التناحر الأهلي في العقود الماضية، وقابلية هذا المجتمع على صون حقوق الأقليات الدينية واللغوية والعرقية فيه، وقابلية إعادة تأسيس يسار شعبي غير مصاب بالإسلاموفوبيا ولا بالإسلاموفيليا.
لقد راكمت إندونيسيا منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي تجربة تحوّل في الاتجاه الدستوريّ، التعدّدي والتداولي، وذلك بعد أن كابدت تجربة مريرة من الديكتاتورية العسكرية - التنموية، تحت عنوان النظام الجديد الذي دشّنه سوهارتو بالانقضاض على شرعية الاستقلال الوطني والديموقراطية التوجيهية التي كانت تتسمى بها حقبة أحمد سوكارنو، وكان أوّل دخول سوهارتو مجازر جماعية سفكت دماء زهاء نصف مليون شيوعي.
بالتوازي، ثمّة من يرى أن النهضة التنموية والتصنيعية القسرية في مرحلة ديكتاتورية سوهارتو هي التي وضعت الأسس الموضوعية لنقضها بالديموقراطية بعد ذلك، وهذا جدل يمتد الى تجارب مماثلة في إسبانيا وتشيلي وكوريا الجنوبية، في حين ليس هناك الحد الأدنى من معطيات مشابهة يمكن أن تسجّل للتجارب التحديثية والتنموية القسريّة العربية في المرحلة السابقة.
هذا لا يعني أبداً أنّ التحوّل الديموقراطي الإندونيسي سارَ في خط مستقيم، ولا أنّه تحوّلٌ بلا مفاعيل رجعية، لكن وصف التجربة الإندونيسية بأنها الديموقراطية الثالثة من حيث تعداد السكان في العالم لم يعد مجرّد شعار برّاق. العسكر لم يختفوا تماماً من المشهد السياسي، لكن انكفاءهم حصلَ، وإذا انتخب رئيس جمهورية قادم من بينهم، كسوسيلو بامبانغ يودهونو، فبالاقتراع العام، ومن ضمن آلية تداول السلطة.
القاعدة الأساسية التي شكّلت منطلق الدستور الإندونيسي منذ الاستقلال عن الاستعمار الهولندي عادت وشكّلت المدخل الصحيح للتحول الديموقراطي في مجتمع إسلامي. إنه ما يعرف بمبدأ البانكاسيلا، أي الركائز الخمس: وحدانية الله، الإنسانية، الوحدة الوطنية، الديموقراطية، العدالة الاجتماعية. الحركتان الإسلاميتان الأساسيتان، جمعية نهضة العلماء وجمعية المحمدية، ويقدّر أنصار كل منهما بنحو ثلاثين مليون نسمة، انخرطتا في التجربة الديموقراطية، وبرعتا في المساومات التاكتيكية، ونقلتا مسألة تحكيم الشريعة من الحيّز المركزيّ إلى حيّز الأخذ والردّ بين السياسات المحافظة اجتماعياً وتلك الليبرالية اجتماعياً في البلديات والسلطات المحلية والجمعيات الأهلية. التنظيمات الأكثر راديكالية عولجت حالة بحالة، وليس استناداً إلى أحكام استئصالية إيديولوجية، فلم يتمّ الاستسهال في رمي تهمة الإرهاب على الجميع، حتى بعد تفجيرات بالي.
الفسادُ المالي والإداري يهدّد الديموقراطية الإندونيسية، لكن هنا أيضاً، هناك حالة عامة من الاقتناع بأن مكافحة الفساد لا تكون بنحر المؤسسات السياسية لتحكيم الأجهزة الأمنية المنخورة به أيضاً، ولا بتقسيم المجتمع بين فلول وغير فلول.
قياساً بسوهارتو الدمويّ يبدو حسني مبارك ليبرالياً. لكن قياساً بالمشهد الديموقراطي الإندونيسي يظهر في المشهد الربيعي المصري الحالي طيف سوهارتو.
الشيطنة الجارية للإخوان المسلمين حالياً، تذكّر بالشيطنة السوهارتية للشيوعيين الإندونيسيين، والحجة نفسها: استفادة الشيوعيين كما الإخوان من مكاسب الديموقراطية، وعدم انتهاجهم لها. وهذا صحيحٌ سوى أنه لا يبيح هكذا شيطنة. الديموقراطية عندما تحصر نفسها بالديموقراطيين فقط، لاستبعاد أنصار ديكتاتورية البروليتاريا أو تحكيم الشريعة تصير نادياً للضباط، نادياً للسوهارتيين. هذا مع التنبيه إلى أن الإسلاميين في مواجهة عبد الناصر رأوا في إطاحة سوهارتو بسوكارنو بشارة في اتجاه مجتمع فضيلتهم المنتظر.
في الأسابيع الأخيرة، حُكيَ كثيراً في مصر عن عودة الناصرية في صيغة التفاعل الميداني بين حركة تمرد وبين حركة الجيش. لجمال عبد الناصر ما له وما عليه، وقمعه للإخوان والشيوعيين معاً يبقى رومانسياً حيال ما ينذر به المشهد المصري المحتدم الآن.
المهم ألا يكون مآل ربيعنا هو الانتقال من ناصرية سوكارنية (عالمثالثية تقدمية) تجد مرجعيتها في مؤتمر باندونغ عام 1955، إلى ناصرية سوهارتية لا هي تسترجع تركة التحرر الوطني (ناصر)، إلا في الأغاني، ولا هي تحقّق تنمية قسرية (سوهارتو)، إلا في باب استئصال الإخوان كما لو كانوا شيوعيين إندونيسيين، وفي الاندفاع أكثر فأكثر نحو الحرب الأهلية الربيعية العربية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.