مثير للفضول هذا الفاصل الهزلي الإيراني المتّصل بالضجة التي أثارها الملالي ضد الرئيس محمود أحمدي نجاد حول معانقته والدة الرئيس الفنزويلي المتوفي هوغو تشافيز وتماديه في التعزية بما يسيء إلى صورة الجمهورية الإسلامية التي يرأسها، ناهيك عن تتبع الأخذ والرد حول حقيقة هذه الصورة أو طابعها المركّب، في واحدة من طرائف عالم المشهد على الطريقة الثورية الإيرانية.
لكن المثير للفضول أيضاً، أنّ تمادياً آخر في النعي أظهر كم أن المناهضة الشعبوية للولايات المتحدة الأميركية ما زالت تفرض غشاوتها على كثير من العقول، وليس فقط في دائرة المعبّئين إيديولوجياً بشكل منظّم في هذا السبيل. فحتى في معشر الربيعيين العرب، وجد من يقول إنه ينبغي التمييز بين المواقف السيئة لتشافيز المتّصلة بتأييده الطغاة عبر العالم، ومن ضمنهم بشّار الأسد وأحمدي نجاد، وبين مواقفه المحرجة للهيمنة الامبراطورية الأميركية في حديقتها الخلفية الأميركية اللاتينية، وإسهامه في تجديد الأمل بالجماهير، والحلم بالاشتراكية. فهل يستقيم مثل هذا؟
طبعاً، لا يمكن تقويم كامل سياسات تشافيز في بلاده وإقليمه بالاستناد إلى موقفه المدافع تماماً عن نجاد والأسد. لكن أيضاً، الفصل بين الأمرين على طول الخط فيه كثير شطط، والأسوأ من هذا أنه فيه سوء إدراك للمشكلة التي يسبّبها هذا النوع الشعبوي من العداء للأمركة بالنسبة إلى تطلّعات التحرّر لدى العرب.
فالمسألة ليست أن تشافيز يؤيد نجاد والأسد فحسب. وليست في أن نجاد والأسد يتشاركان مع تشافيز في خطاب مناهض إيديولوجياً للإمبريالية الأميركية، ولو بشكل مستند إلى إيديولوجيا دينية في حال إيران، وإلى إيديولوجيا قومية بعثية ذات خلفية فئوية في حال سوريا. المشكلة هي أنّ هذه الأشكال الشعبوية من مناهضة السطوة الأميركية، تتحمّل مسؤولية مباشرة في عذابات العرب، وبالذات في سوريا، ولا يفترض أن يكون هذا الكلام متناقضاً في حد ذاته مع الحكم السلبي الشامل على كامل تعاطي الإدارات الأميركية المتعاقبة مع أجندات الصراع العربي - الإسرائيلي ومسارات التسوية المتفرّعة عنه. بالعكس تماماً، فمثلما وجدت أنظمة تستطيع أن تجمع بين اقتباس بعض أو كل إيديولوجيا المناهضة الشعبوية لأميركا وبين التنافس لنيل غض الطرف الإمبريالي، أو حتى الرضا، أو أكثر، فلا بأس أن تطوّر الديناميات الربيعية العربية في الاتجاه القادر على الجمع بين الواقعية السلبية، المتّصلة بتحديد المشكلات الموضوعية الحقيقية العالقة بين العرب ككل وبين أميركا، أو بين هذا البلد بحد ذاته وبين أميركا، والواقعية الإيجابية، المتّصلة بعدم بناء المواقف السياسية على الأحقاد المخزّنة إيديولوجياً فقط، وعدم الاندفاع وراء أي من القراءات التقسيمية للعالم بين رجل أبيض شرير وبين شعوب ملوّنة مفطورة على الخير والعطاء.
لئن كان الخطاب الليبرالي العربي لم يزل قاصراً حتى الساعة وبشكل جسيم عن إيفاء المشكلات الاقتصادية والاجتماعية العربية حقّها، والصراع العربي - الإسرائيلي حقه، ولئن كانت هشاشته كخطاب، وافتقاده إلى روافع اجتماعية حيوية وصلبة، تؤدي إلى محدودية تأثيره على الديناميات الربيعية العربية، فإنّ البديل لا يمكنه أن يكون أبداً من نوع التشافيزية الناجزة أو حتى الانتقائية. الليبرالية العربية الحالية تجمع بين منتهى التجريد، سواء حين تتكلّم عن الفرد بالمجرّد، أو عن الدولة بالمجرّد، أو عن الحرية بالمجرّد، وبين قلة الحيلة الفكرية، وعدم القدرة على إنتاج توازن الحد الأدنى في الخطاب السياسي بين هذه القضية العربية أو تلك. لكن علاج كل هذه المشكلات الجوهرية لا يمكنه أن يكون بطلاء التشافيزية أو ما يعادلها. تحديداً المطلوب العكس: نقض العداء الشعبوي للأمركة من موقع الواقعية المتكاملة، الإيجابية والسلبية، ونقض الشعبوية بشكل عام من موقع الالتفات إلى مجمل قضايا ومشتركات أكبر عدد من الناس وليس من موقع الانتصار لحفنة من الأفراد النموذجيين النخبويين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.