في حزيران 2009، استبق حزب الله الاستحقاق الانتخابي بمعادلة من قبيل أنّه إذا نجحَ لن يكتفي بالحكم، إنّما سيؤسّس لعملية إعادة تشكيل السلطة، أي تطويع النظام السياسيّ اللبنانيّ أكثر فأكثر ليصير حاضناً للمشروع الهيمنيّ الفئويّ والمغامر لـحزب الله، أمّا إذا نجح الفريق الآخر، قوى 14 آذار مجتمعة، فليسَ لها أنْ تبدّل قواعد اللعبة بالشكل الجذريّ إيّاه، إنّما على الأقل سيُسمَح لها بأنْ تحكم، ذاتياً أو إداريّاً.
طبعاً، ما كادت تفرز النتائج، حتى عَدَل الحزب عن معادلته غير المتوازنة أصلاً بين ما كان يمكن له أن يفعله، لو فاز، وبين ما كان يتاح لغريمه، لو فاز، فكان حديث زعيم هذا الحزب عن الأكثريّة الشعبية المناقضة لـالأكثريّة البرلمانيّة بمثابة إشارة في كذا اتجاه.
أولاً، رفض الاعتراف بالخسارة الانتخابية، لأنّ الحلف الذي يقوده الحزب لم يخض الانتخابات حينذاك كي يفوز بـالأكثريّة الشعبية، إنّما ليفوز بـالأكثريّة البرلمانيّة، وهو فشل في ذلك، وأنكر هذا الفشل بالمكابرة النافرة. وثانياً، كانت هذه إشارة إلى أنّه ينبغي إعادة تشكيل الأوزان البرلمانيّة بحيث تصير مطابقة لهذه الأكثريّة الشعبيّة، وبما أنّ الجبهة الاستقلاليّة كانت مثخنة بجراح 7 أيّار من جهة، وبـالودائع التي كان بعضها يمكن تفاديه من دون أي مخاطرة في تعديل النتائج، وبالإعاقات البنيوية التقليدية المتصلة بطبيعة القوى التي تشكّل نسيج هذه الجبهة، لم تكن صعبة سياسة قضم الأكثريّة القائمة، ثم تبديلها، ولو أنّ الحزب احتاج في آخر الأمر إلى عراضة القمصان السود. وثالثاً، انسجمت هذه الإشارة إلى الأكثريّة الشعبية، اللاغية مباشرة لنتائج حزيران 2009 بعرف أمير السلاح، مع ايحاء سرعان ما سيبلوره إيلي الفرزلي إبداعياً من طريق مشروع قانون اللقاء الأرثوذكسي، الذي ليسَ فيه ما يمت بذي صلة إلى الأرثوذكسية، اللهم غير التذكير بمماحكات الجدل البيزنطي، في الصورة الكاريكاتورية الشائعة عن هذا الجدل طبعاً، وليس في حقيقته التاريخية المعقّدة والثريّة.
فما بلوره الفرزلي إبداعياً كان جمعاً بين منطق الديموقراطيّة العددية الذي له صداه عند الشيعة في المقام الأوّل، وبين منطق كل طائفة تنتخب نوّابها الذي له صداه عند المسيحيين، وبدل أن تكون قاعدة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين عنصراً يحول دون الأخذ بهذا المنطق وذاك في وقت واحد، صارت المناصفة بموجب القانون البيزنطيّ عنصراً يؤمّن الربط بين مطلب الديموقراطيّة العددية الشيعيّ الهوى وبين مطلب كل طائفة تنتخب نوّابها المسيحيّ الهوى، في ضوء اعتماد النظام النسبيّ. الخبث في هذا المشروع غير قليل. إنه ينطلق من إبراز التناقض بين المناصفة الإسلامية - المسيحية كمبدأ عام لتوزيع مقاعد المجلس النيابي وبين المناصفة التطبيقية التي تبدو شكليّة في جزء واسع منها، ليخرج بخلاصة تدعو إلى مناصفة فعليّة، على قاعدة النظام النسبيّ معمولاً به على مستوى دوائر مذهبية خالصة.
باسم رفض المناصفة الشكليّة، والمناداة بمناصفة ناجزة، يتحايل هذا المشروع على الإشكاليّة الأساسية التي تسوّغ استمرار المناصفة الإسلامية - المسيحية في لبنان رغم اختلال النسب الديموغرافية. فالمناصفة الإسلامية - المسيحية الدائمة هي أساساً جواب عن كيفية تأمين العيش السياسيّ المشترك في مجتمع منقسم إلى طوائف، ومتشكّل حول الثنائية الإسلامية - المسيحية، إنّما مع عدم حفاظه على المناصفة العدّدية بين المسلمين والمسيحيين مجتمعياً. المناصفة في العدد البرلمانيّ تسويغ لحسن إدارة مجتمع لا مناصفة واقعية فيه في العدد الديموغرافيّ.
وإذا ما أردنا أن نتملّى في هذا المنطق من الجهة المقابلة لقلنا، إنّه لو كان هناك فعلاً، مناصفة عددية، بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع اللبنانيّ، أو نسب متقاربة إلى هذا الحدّ، لما كانت هناك حاجة إلى مناصفة برلمانية في الأساس، بل ربما لما كانت هناك حاجة إلى نظام القيد الطائفيّ. ولا ننسى أنّ لبنان ليس لوحده البلد القائم على ثنائية إسلامية - مسيحية، بل هذه أيضاً سمة ألبانيا، واريتريا، وأثيوبيا، ونيجيريا.
ما يقوم به حزب الله منذ إبطاله عملياً لنتائج الانتخابات الماضية فوراً بعد إذاعتها، هو عملية تقويض المناصفة بالتحايل عليها، وبإظهار تناقض المناصفة البرلمانية الشكلية مع المناصفة البرلمانية التامّة، وينبغي الاعتراف هنا أنّ للحزب امكانات ليست متاحة لخصومه، وليس فقط من ناحية السلاح، بل أيضاً في قدرته على خوض المزاد العلنيّ في الحسابات الطائفية بشكل ليس متاحاً عند خصومه. بما أنّه يملك السلاح، والقيادة الكاريزماتية، والتعبئة الأيديولوجية، يمكنه إعطاء سواه أيّ منحة سياسيّة أو معنويّة. بمعنى آخر، يمكنه أن يلعب في القيود الطائفية بالحدّ الأدنى من القيود التي تأسره.
لأجل ذلك، كان هناك عمل نظريّ أولاً، وعمليّ ثانياً، لم تقم به الحركة الاستقلالية منذ أعلن حزب الله في حزيران 2009 أنه يقرأ الانتخابات من زاوية عدد الأصوات لا عدد المقاعد. فهذه الحركة ربحت الانتخابات يوم ربطت شعاراتها المشهورة بمسألة المناصفة الدائمة بين المسيحيين والمسلمين، لكنها بعد ذلك لم تقرّ المناصفة على ما هي عليه: إنّها أساساً تسوية في مجتمع قوامه الثنائية بين المسيحيين والمسلمين، إنّما لا مناصفة عددية فيه بينهما. ولنكرّر: لو كانت هناك مناصفة عددية في المجتمع لما احتاج العيش السياسيّ المشترك إلى مناصفة عددية ملزمة في البرلمان. وهذا المنطق، لمن يستوعبه، مخالف تماماً للدعوة المبطنة لـالعدّ كما للقول الخشبيّ بأنّ العدد غير مهم. لا، العدد مهم، إنّما الديموقراطيّة في كل مستوى من مستوياتها، هي لعبة تنسيق العدد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.