8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحركتان الاستقلاليتان اللبنانية والسورّية: اللحظة للسياسة!

نقترب من الذكرى السنوية الثانية لانطلاقة الثورة السوريّة. لكننا نقترب أيضاً معها من ذكرى مرور عامين على آخر احتشاد جماهيري مشترك لقوى ثورة الأرز، وهو واحد من أصل سبعة، وقد حدث قبل ساعات من اشتعال الغضب الشعبي السوريّ ابتداء من درعا، واتّسم باعلان الانتساب الى محور الاعتدال العربي والى روحية الربيع العربي في وقت واحد، وبالتنديد الشديد بحكومة القمصان السود الانقلابية.
بعد سنتين من تاريخه، ظلّت هذه الحكومة صامدة، من جهة المكابرة على الاستقالة، حتى بعد اغتيال اللواء وسام الحسن. وثمن هذا الصمود كان طبعاً تحولها الى مضرب مثل في الفشل في معالجة أي شأن، وفي النفاق، اذا ما تذكرنا أي طرفة هزلية من مهازل النأي، خصوصاً بعد ان انطلق حزبها الحاكم يجرّد الحملات العسكرية في الداخل السوري، ويتابع ملحمتي بنت جبيل ومارون الراس في القصير وريف حمص، ويضاف على ذلك انه حزب متهم من طرف بلغاريا بارتكاب فعل تفجيري على اراضيها، ومن قبل كندا واستراليا بتزوير وثائق ديبلوماسية تخص البلدين، وتكاد اوروبا تحذو حذو اميركا باتجاه تجريمه بوضعه على لائحة مصنّفة للتنظيمات الارهابية. كل هذا في حين ان الحزب يتعهّد بنفسه بمكافحة الارهاب، وبالجهاد ضد تنظيم القاعدة، وغزو جبهة النصرة، مرة بالتوغّل العسكري في الداخل السوري، ومرة بنصرة مشروع القانون الارثوذكسي!
ولا ننسى انّها الحكومة التي ترسل مشروع قانون انتخابي سيئ الى مجلس النواب، فتستبقه الأطراف المشكّلة لها بتأييد السير في مشروع قانون آخر يزيد سوءاً.
كذلك، ظلّ النظام السوريّ صامداً حتى تاريخه، بمعنى ان الطاغية الذي يقوده لم يسقط، ولو انه فقد السيطرة على كبرى المدن وعلى مساحات واسعة من الارض السورية، ولو انه تسبّب بسفك دماء عشرات الاف السوريين. لكنه الى الآن لم يلاق مصير صدّام او القذافي، ولا حتى مبارك او بن علي.
في المقابل، الحركة الاستقلالية السورية أمام جملة من التحديات الاساسية. مختصرها ان السياسة، وان كانت تحتاج الى تفعيل العواطف خصوصاً في مرحلة العمل لاسقاط نظام همجي دموي، الا ان السياسة ليست العواطف. فمهما كان الوضع الدولي متأرجحاً أو متردّداً لا بدّ من سياسة ديبلوماسية ناشطة وحيوية وجريئة، تتجنّب الوقوع في عزلة، وتسعى أقصى ما استطاعت لعزل النظام، ولاظهار النظام كرافض لأي تسوية تحقن دماء السوريين. وهذا أيضاً يرتبط بتحدي اظهار برنامج وطني جريء أيضاً عن سوريا ما بعد البعث، يكرّس كل اشكال التعددية والحرّية، ويدشّن اللحظة التالية لسقوط بشار الاسد من الآن باطلاق عمليتي المصالحة الوطنية بين مكونات المجتمع السوري، واعادة الاعمار.
في لبنان أيضاً. الحركة الاستقلالية بعد سنتين على آخر مشهد جماهيري واسع لها أمام النوع نفسه من التحديات. الصدع الذي حدث على خلفية مشروع قانون الانتخاب غير قليل. لكن مشروع الفرزلي الانتخابي هو على الأرجح اما مشروع لتبرير تأجيل الانتخابات واما مشروع سيصطدم بالاستحالتين المنطقية والواقعية أمامه. في حين ان الحركة الاستقلالية مستمرّة بمجرّد استمرار غريمها: منظومة الممانعة الصامدة ممثلة بالنظام السوري الدموي وحزب الله جامع مجد الارهاب الدولي في بلغاريا، بمكافحة الارهاب في سوريا، الحزب المجاهد ضد الجهاديين، وحزب التنوير الولتيري في رحاب ولاية الفقيه.
لأجل ذلك لا بدّ من اعادة التقاط معنى السياسة داخل الحركة الاستقلالية. العلاقات بين اطراف هذه الحركة هي قبل كل شيء علاقات سياسية، واعادة انتاجها كتحالف سياسي فاعل رهن بمناقشة هادئة وصادقة وقادرة على تسمية الأمور بأسمائها، وعدم المكابرة عن الحديث في الشق الطائفي، لكن أيضاً عدم التعامل مع الطوائف كأنها كتل صماء أو هادرة باشارة من قطب أو قطبين. فأهمّ ما يبرزه الصدع اليوم ان ثقافة النقاش السياسي ضمن الحركة الاستقلالية اللبنانية كانت في السنوات الثمانية الماضية اكثر عاطفية مما ينبغي. وطبعاً كانت التضحيات الجسام، والحركة الجماهيرية الناشطة، تزيد من هيمنة هذا الميل العاطفي. هذا الميل يكشف بحد ذاته من تراكم ثري بالتجربة الكفاحية المشتركة التي شكّلت فعلياً ما يمكن تسميته شعب آذار الذي ليس هناك ما يقابله بهذا التكاتف الواعي من الجهة المقابلة. في الوقت نفسه، لا بدّ من التأكيد هنا أيضاً ان العلاقات السياسية لا تختزل في العلاقات العاطفية وحدها، وان كان عليها ان تستوعبها، وتنطلق منها.
ان الموافقة على مشروع الفرزلي هو خطأ سياسي لمجرّد انها موافقة تزعزع الائتلاف الاستقلالي وليس الائتلاف الممانعاتي. في الوقت نفسه فان السياسة تقتضي عدم الاسترسال في الدراما، من اي جهة كانت، والتطلع مباشرة الى ما بعد القانون الارثوذكسي، لأن الأخير لم يقرّ في اللجان الا ليدفن لاحقاً، وليس كي يسلك طريقه الى السريان. لماذا؟ لان اعتماده يستدعي شيئاً من قبيل صبحية قمصان سود جديدة! من دونها لا قانون على هذه الشاكلة!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00