تعليلات وأوصاف عديدة تُساقُ في معْرض إنكار الربيع العربي كمجموع ديناميّات تحرّرية غير مسبوقة تشهدها مجتمعات عربية عديدة. وإذا كان التروّي والتدقيق والتفصيل من جملة الأمور الضرورية عند الخوض في أي شأن أو مجال من ضمن هذا الربيع، بدلاً من الرضوخ للطابع الإطلاقيّ والمبرم والورديّ لهذه التسمية الشاملة، فما لا شكّ فيه أنّ هذه الضرورات شيء فيما انكار الربيع من الأساس شيء آخر. بل انّ من ينكر الربيع العربي ويصفه بشكل عبثيّ على أنّه احلال لاستبداد داخليّ مكان آخر، وعلى انّه تجديد شكليّ للاستعمار المباشر، انما يتجاوز بذلك عملية الانكار، ويضبط من خلالها متلبّساً بالوقوف في وجه الديناميّات التحرّرية العربية بمجموعها. وهذا ما يفرّقه على أية حال عن المخاض الداخلي الخاص بالربيع، بين من يعطي الأولوية لهذه الدينامية التحرّرية على تلك، دون أن ينزلق الى درك الجحود بالربيع العربيّ نفسه.
ثمّة من يشنّع بالربيع العربي بحجّة أنّه انفاذ لمشاريع المحافظين الجدد التفتيتية والالحاقية بالمنطقة، لاقامة شرق أوسط جديد.
وثمّة من يندفع بأحقاده ضدّ هذا الربيع فيصفه بأنّه ربيع التطرّف والأصوليّات. الطريف في الموضوع حين يأتي هذا الحقد الأعمى على الشعوب العربية في راهنيات تحرّرها، من طرف متسكّعين على أعتاب نظام الملالي الإيراني، هذا من دون أن نكون في الواقع نسقط من الثورة الإيرانية قدرها، ودورها، ومأسويّتها في الوقت نفسه بحيث كانت ثورة وثورة مضادة في آن. وقد تصحّ نغمة ان نظام الشاه كان أفضل من الثورة من باب التنمير والمزاح .. أمّا في الجدّ فإنّ من لا يبصر الثورات كضرورات تاريخية، سواء كانت ثورة روسية أو صينية أو ايرانية أو الربيع العربيّ حالياً، ومحوره الثورة المصرّية فيما ساحة مواجهته الأكثر مصيرية هو الثورة السوريّة، انما هو كائن لا ضرورة تاريخية له. الثورة قبل أن تبحث عن مشروعيتها في تداعياتها وانجازاتها واخفاقاتها، انما تستمدّ شرعيتها من ضرورتها، وضرورتها من عنف تفجّرها، والزلزال الذي تحدثه بتفجّرها، وليس هناك من ثورة جديّة تاريخياً، الا حين تتفجّر بوجه واقع ما عاد يُطاق.
من ينكر الربيع العربي، حاله مثل منكري الطابع الثوريّ لكل الثورات السابقة. فهؤلاء كانوا دائماً يظنّون انّ الثورات مؤامرات ارادويّة، وان تفاديها كان ممكناً أيضاً بمؤامرات او اجراءات ارادوية، وانّ هذه الثورات اما ان تعيد الواقع الى الخلف، واما ان تكرّره كما هو، استبداداً أو استعماراً. من ينكر الربيع العربيّ ينكر التاريخ اذاً، وينكر ان التاريخ يُعرَف دائماً بجديده، وانّه اذا كان الربيع العربيّ يقرأ من معين تاريخ الثورات، فانّه يقرأ أساساً من ناحية ما يطرحه من جديد نسبة لها، والجديد في هذه الحالة ليس أقلّ من تدشين القرن الحادي والعشرين، هذا القرن الذي لم يبدأ حقّاً لا مع هجمات نيويورك وواشنطن، ولا مع احتلال العراق، بقدر ما انطلق مع الثورة الشعبية المصرية على نظام حسني مبارك، ومجموع الديناميات التحررية العربية السابقة أو اللاحقة لها.
وطبعاً، اذا كان أعداء الثورة في كل حين ينكرون ربيعية هذا الربيع بحجج انه يعيد انتاج الاستبداد أو يقوّي الأصوليّات، فالمفارقة اجتماع شمل هؤلاء مع مرضى النوستالجيا الثورية، فهؤلاء اما ان يكون الربيع العربي مطابقاً لمثالاتهم عن الثورة، المستلّة كاريكاتورياً من ذاكرة الثورات الماضية، واما هذا الربيع عندهم هو وضع ثوري خائب، لم يحسن استثماره كما ينبغي لاحلال التغيير، فعاد الاستبداد بوجه آخر، والاستعمار بالوجه ايّاه. يا لها من قراءة أشبه بنعيق طائر البوم.
وليس قليلاً في هذا المجال ان تجتمع في اوروبا شلل اليمين المتطرّف مع شلل اليسار المتطرّف (مع وجود استثناءات) على معاداة الثورة السوريّة بالتحديد، وعلى كيل المدائح لنظام الارهاب الكليّ الأسديّ. المصابُ برُهاب الاسلام والمسلمين (الاسلاموفوبيا) اليوم يؤيد نظام بشّار الأسد الفئويّ الاقلويّ .. والعلمانيّ .. والتابع لولاية الفقيه الايرانية (ثلاثة مستويات). كذلك من يدمن معاداة الامبريالية بالطريقة المبتذلة: هذا النظام الذي يشنّ ضد الشعب السوريّ حرباً تدميريّة تستلهم الصورة الاكثر شناعة عن حروب الرجل الأبيض ضد ابناء المستعمرات، انما يجري تصويره على انه يضرب الامبريالية بالحديد والنار ممثلة بأطفال الديار الشامية.
هؤلاء هم منكرو الربيع العربيّ. اذا كان لا بدّ من الاحتراس امام اي قراءة تفاؤلية سطحية، اسلاموية كانت او ليبرالية، من نوع انّ كل مخاض دليل ارتقاء، والسلام، وانّ الربيع يتابع تحقيق أهداف رحلته، مع وجود بعض المنخفضات الجوية، ففي المقابل ينبغي التصدّي بضراوة لـمنكري الربيع العربيّ. هؤلاء في اي مكان او موقع وجدوا هم من فئة البلطجية والشبيحة. سواء كان انكارهم من موقع أصولية دينية لا تتذكر التنوير الا عندما تعيب غيابه عند الأصولية الأخرى، أو من موقع تطرّف يساريّ أو يمينيّ، مرة باسم مناهضة الامبريالية، ومرة من موقع العداء العنصري للعرب والمسلمين، بل ان هذا العداء هو منشأ كل عداء للثورة السورية بالتحديد. وطبعاً، حلف الأقليات المصطفة وراء اصلاحات السيد الرئيس يستجمع بدوره كل هذه القمامة الايديولوجية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.