8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

استعادة الزخم الاستقلالي رهنٌ بتشخيص أكثر واقعية للحسابات الطائفية

هل صحيحٌ أنّ الحسابات الطائفية كانت أقلّ إمساكاً بالتركيبة اللبنانية يوم انطلقت انتفاضة الاستقلال قبل ثماني سنوات، وأنها اليوم أكثر ضراوة من أي وقت مضى؟ نعم، إذا شئنا التمسّك بالمشهد الإجمالي الجماهيري الإسلامي - المسيحي لانتفاضة الاستقلال من دون أي مقاربة واقعية وتحليلية ونقدية لهذا المشهد. وكلا، إذا استعنّا بهكذا مقاربة واقعية نقدية، لأجل البحث عن دينامية ربيعية لبنانية من نمط جديد تتجاوز سنوات من المناداة بـاستعادة أو استنهاض أو إحياء ثورة الأرز نفسها، الى مرحلة جديدة من العمل والنظر، قوامها التمكّن من الجمع، في عين تشخيصية واحدة، بين موقف مناوئ بشدّة لمشروع الهيمنة الفئوي المسلّح الذي يقوده حزب الله مصطدماً بالمستحيلات اللبنانية والاقليمية التي تعترضه، إنما بما يجبر الساحة اللبنانية ككل على دفع أثمان هذا الاصطدام المتكرّر بالمستحيلات، وبين نظرة أكثر شمولية، ترى أنه قد آن أوان البحث عن اختتام القرن العشرين اللبناني من حيث هو قرن التزاحم بين الطوائف على منزلة الطائفة الطليعية، الى حيث الدخول في قرن جديد، حيث يشترط أن تعي سائر المجموعات اللبنانية أن أيّ مشروع لإحلال غلبة، أو لائتلاف فئتين على ثالثة، انما هو مشروع يهدر الطاقات والفرص، جيلاً بعد جيل، ويزعزع الكيان، بلا طائل، بل انه سرعان ما يمهّد للانقلاب الفجائي في معادلة الغالب والمغلوب، والى إعادة خلط الأوراق من جديد في ما عنى الفئات المتآلفة على استبعاد أخرى.
فإذا كان حزب الله، بوقوفه التشكري لنظام الوصاية في مواجهة انتفاضة الاستقلال يتحمّل المسؤولية الأساسية في الشقاق الأهلي الواقع قبل ثماني سنوات، فإن مكابرة الحركة الاستقلالية على هذا الشقاق الحاصل كانت خطأ كبيراً. سيّان في ذلك التستّر على هذا الوهم بدعوى أنّ المنطق الاستقلالي لا يقيم حساباً للتوازنات الطائفية، أو التستّر عليه بحجّة انّ التكاتف المسيحي- السني- الدرزي الاجماعي في ايام انتفاضة الاستقلال كان ليغني عن بحث المسألة الشيعية بشكل حقيقي وجريء. وما حصل لاحقاً، انه وبسبب الاختلال في ميزان القوى الأمني بين الطوائف لم يكن ممكناً أن يعمّر التكاتف المسيحي- السني- الدرزي بالشكل الاجماعي نفسه، ويضاف الى ذلك أن النزعتين الرافضتين، بشدّة متفاوتة ولدواعٍ مغايرة، بين المسيحيين وبين الشيعة، لاتفاق الطائف يوم إبرامه، كانتا تؤهلان موضوعياً حزب الله والتيار العوني لعقد تحالف ثبت أنه مزمن، فقد دام الى الآن سبع سنوات. ولا يخفى على أحد أن للحزب القوامية في هذا التحالف على ميشال عون بسبب السلاح، وإن تكن الحجة المكررة للعونيين في تسويغ هذا التحالف هي امتداح الكرم الحاتمي لـحزب الله مع الفرع المسيحي المستجد على الممانعة.
إلى الآن، لا تزال تطغى على ثقافة الحركة الاستقلالية عمليات شخصنة الموضوعات لتبرير هذه الاستدارة او تلك لهذه الطائفة او تلك. وطبعاً، الانحطاط الاخلاقي النافر لكثير من رموز الممانعة والممانعة المستجدّة انما يعطي حيثية مبرّرة لرصد البعد الشخصي. لكن هذا البعد لا يكفي لا لمقاربة المسألة الشيعية، ولا لمقاربة المسألة المارونية. ثمة حسابات شخصية زبائنية، لا شك. وثمة أجندات أمنية، لا شك. لكن ثمة أيضاً، وفي الأساس، كتل طائفية، تتجاذب وتتنافر، بحكم سيادة منطق التزاحم بين الطوائف على موقع الطائفة الطليعية من جهة، وبحكم استئثار حزب الله بالمنظومة الحربية ضمن هذه اللعبة.
وإذا كان السجال حول قانون الانتخاب قد صدم الكثير من الاستقلاليين الغيورين لأنهم ما كانوا يتوقعون ان تكون الحسابات الطائفية متحكمة الى هذه الدرجة بالبلد، وبالعلاقات السياسية ضمن جبهة ثورة الأرز نفسها، فربما كان الإيجابي في الموضوع هو التذكير بأن الحركة الاستقلالية تنجح في استعادة مكانتها ودورها وزخمها ساعة تتمكن من التعاطي بواقعية أكثر مع الواقع الطائفي اللبناني كما هو، وحين تنجح، بالتوازي، وشرط المثابرة، في إبراز وإغناء عناصر تفاضلها الثقافي والتشريعي المدني على حزب الله والممانعة، بما في ذلك فئة الممانعة المستجدة... والاسلاموفوبية في آن، وهذا ما يتكامل مع إعادة إيضاح البوصلة: إنهاء الصراع على الغلبة الفئوية هو الجوهر الراهن والمستقبلي لثورة الأرز، وحل مشكلة السلاح تدخل في هذا الباب وليس في باب إحلال هيمنة فئوية مضادة للسلاح الفئوي، وخوض الانتخابات على هذا الأساس كفيل بإعادة ضخ الحيوية إلى الجسم الاستقلالي اللبنانيّ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00