ثمّة مقاربتان، غليظتان، الأجدى تنحيتهما جانباً، عند مقاربة المناخات الربيعية والربيعية المضادة في البلدان العربية، وخصوصاً مصر.
فمن جهة، هناك المقاربة المخاضية التي يجنح أصحابها الى طمأنة الذات بأنّ كل شيء مخاض، فيتبرّمون من كل نازع الى النقد والرويّة، واذا ما استطاعوا ينظرون الى كل شيء على أنّه احتفالية، حتى اذا حلّت النوائب، أو انسدّت السبل أمام العناصر الأكثر ديموقراطية وحداثية، أو مالت الأرض كما الصناديق الى التيارات الاسلاموية، واظبوا على امتداح مفارقات المخاض، وصار المخاض عندهم غيباً متحرّكاً يشبه في شيء منه الغيب المؤدلج لدى التيارات الاسلاموية.
ومن جهة ثانية، ثمة المقاربة التي تسقط من الميادين حقّها، ومن دينامية الجموع دورها في تأسيس معان جديدة للممارسة السياسية لا عهدة للقوالب التحليلية التقليدية بها. فاذا كان أهل الفرقة الأولى يرون انّ كل شيء مخاض، وكل مخاض يأتي بالجديد، وانّ الجماهير تصنع التاريخ، وينبغي امتداحها من دون أي انتقاد جديّ، ووصفها دائماً بأحسن مما هي، فان أهل الفرقة الثانية يميلون بدلاً من ذلك الى تصوير أمور الربيع على انّها ناشئة عن دخول الأنظمة التسلّطية العربية في مرحلة موتها السريري ثم انهيارها، الأمر الذي ولّد حركات شعبية على هامشه، بل وحركات مطبوعة بخاتم الانهيار، في ثقافتها ومعاشها.
أهمّ ما يتيحه الوضع المصريّ اليوم، بالدينامية التي تنتاب شارعه، هو ضرب هاتين المقاربتين المخاضوية (الشعبوية) والانهياروية (الرائجة في أوساط الليبرالية العربية). المسائل أعقد من هذه الصياغات المبكرة لسؤال الربيع العربيّ وجوابه. ما يحصل في مصر وغيرها ليس مخاضاً دائماً وحيوياً ليس إلا، وما يحصل في مصر وغيرها ليس انهياراً متواصلاً لنظام قديم، في ظل العجز عن توليد نظام جديد. ما يحصل يتضمّن بالتأكيد في لوحة متداخلة، مشاهد انهيار نظام وتصدّع مجتمع، وتصدّع الجماعات المختلفة في المجتمع. لكن أيضاً ثمّة دينامية لا تختزل في كل هذا، وتحتاج بالفعل الى بعض الصفاء الذهني لوصفها. دينامية يكرّسها شباب الثورة المصرية بشكل كبير، بما لهم وبما عليهم. بالسياسة التي لا يلبث ان يظهر انهم بدأوا يحترفونها حتى يهجرونها حتى يلجون اليها ثانية. فهم عندما ركّزوا على فلول النظام السابق لم يروا أطماع العسكر وعندما ركّزوا على العسكر لم يروا مكائد الاخوان. لكنهم بالنتيجة نجحوا في تقويض الجميع، من حيث يدرون أو لا يدرون. العسكر، الاخوان، القوى السياسية، فلول النظام السابق. ولمزيد من التحديد: نجحوا في الاشهر الماضية، وربما في الايام المنصرمة اكثر من أي وقت مضى، في إدخال منطق حكم الاخوان في وضعية لا يحسد عليها، لسبب بسيط: هي وضعية استنزاف لا يمكن أن يخرج منها، الا بالخروج من الحكم، او بإخراجه من الحكم.
بعضُ ما يعزّز هذه الدينامية، الجائز أن تسمّى ثورية بمعنى ما، هو أنّ جميع القوى السياسية بلا استثناء تشترك في ثلاث: لا تملك برنامجاً لحلّ الأزمة ومتابعة عملية التحوّل الديموقراطيّ بشكل ثابت. تدّعي كل واحدة منها أنّها ذات الموقف الأقرب الى جهة الحق، من دون أن تدّعي الحدّ الأدنى من وعود الخلاص، ومن دون أن تتمثّل ولو بالحدّ الأدنى صورة المخلّص الكاريزمي، علماً أن تاريخ مفهوم الثورة في القرنين الماضيين لم يكن لينفصل أبداً عن ثنائية وعود الخلاص، وتمثّل أو استدعاء المخلّص. وثالثاً، فإنّ هذه القوى تجمع بين اعتراف كل منها بافتقاده التصور الشامل لحل الأزمة، وبين تعفّف كل منها عن النزعة الخلاصية، وبين تنازعها المعاني المتشظية للمشروعية، والأهلية، الا أنها تكابر في الوقت نفسه على ما تستدعيه هذه الحالة من تقاسم جماعيّ للمسؤولة، ما يبرز بالشكل الفاضح من خلال شهوة الاستئثار التي حملت الاخوان المسلمين الى محاولة قلب الطاولة على الجميع، من دون خلاصية ولا مخلّص، فكانت النتيجة انّ الدينامية الميدانية أدخلت الاخوان في عملية استنزاف ضارية.
من أين تأتي هذه الدينامية بالطابع غير المسبوق، الطابع المسفّه سواء بسواء للمقاربتين المخاضوية والانهياروية؟ الاجابة صعبة. تتطلّب حدّاً معيّناً من التذكير بنظرية والي نصر حول صعود الرأسمالية الاسلامية، وبنظرية ديفيد هاري حول المدن المتمرّدة في بداية قرننا هذا. بشكل عام، المقاربة التي تصلح لمركز الربيع العربي، مدينة القاهرة، لا يمكن ان تسري بحد ذاتها على مجمل الاقاليم العربي. لكننا بحاجة بالفعل الى مقاربة ما يحصل من موقع انه دينامية مدينة، ميغالوبول، والى الفشل المريع لتجربة الاخوان في الحكم، وتهافت هذا الحكم بشكل متسارع، على انّه نتيجة فشلهم أمام الميغالوبول. فاستراتيجية حصار المدينة بالريف الاسلامي، من خارجها وحولها ومن داخلها، لا يمكن ان تنجح عندما تكون المدينة بهذا الحجم، سواء في مصر او الاسكندرية. العمران ينتصر على الاخوان لان استنزاف حكم الاخوان قد تحول الى دينامية ميدانية لا جواب اخوانياً قادراً على ردعها... والقاهرة المتمردة تبدو اكثر من اي وقت مركز هذا الربيع، ومختبر الافكار التي تساق بصدده.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.