لم تتابع إرهاصات الربيع المسيحيّ اللبنانيّ المنخرط في عقد الربيع العربي. فـلقاء سيدة الجبل الذي عُقد في غير المكان الذي يحمل اسمه في أواخر تشرين الأول 2011، شكّل بحدّ ذاته مكسباً سياسيّاً كونه نجح في تثبيت حالة مسيحية لا يستهان بها، مناصرة للثورات العربية الربيعية عموماً، وللثورة السورية خصوصاً، ومناوئة لمنطق تحالف أقليات تخضع لبعضها البعض وتنقاد جميعها وراء نظام الملالي الإيرانيّ الذي يضطهد أو يهمّش أقليات دينية وقومية واسعة النطاق في بلاده (ويراجع في هذا الإطار الكتاب الأخير لوضاح شرارة طوق العمامة).
لكن لقاء سيدة الجبل حملَ من الوعود والانتظارات أكثر بكثير مما سلكَ طريقه إلى حيث إطلاق الديناميات الفكرية والسياسية والمدنية المشجّعة على خلق حراك ربيعيّ مسيحيّ لبنانيّ. كما أن المشهد العام للربيع العربيّ شهد تبدّلاً نوعياً بعده، مع انتفاخة شاملة للحركات الإسلامية في المنطقة، وصولاً إلى وصول إخواني لسدّة الحكم في أكبر دولة عربية. وكذلك مع تداخل منطق الثورة الشعبية ومنطق الحرب الأهليّة في سوريا، وتداخل مسارات عسكرة الثورة مع مسارات أسلمتها، في مقابل الطابع النافر أكثر فأكثر للنظام البعثي، الفئوي، الأقلويّ الدمويّ.
وقد جاءت مسألة قانون الانتخاب لتذكّر المسيحيين مجدّداً بأن ثمة سياقاً كيانيّاً لبنانياً للتذكير بانتظارات الربيع المسيحيّ المنشود. وهنا يقع الالتباس. فمن ينادي بقانون تنتخب فيه كل طائفة نوابها على حدة، صار يعتبر الفرز النافر بهذا الشكل ربيعه المنشود. ومن يرفض ذلك بشدّة، من دون أن يلحظ أن هناك مشكلات مزمنة وعويصة في العلاقة بين الطوائف اللبنانية، تراه أيضاً يفعل ذلك من موقع المناداة بالربيع المسيحي، فعنده أن الربيع المسيحي هو فقط التمرين التطبيقي الذي ينبغي أن يقوم به المسيحيون للربيع العربي على واقعهم هم، وعلى واقع شراكتهم مع المسلمين في البلد.
ما يستصعبه المسيحيّون في الحالتين هو القدرة على تأمين خصوصية ربيعهم هم من ناحية، وسويّة اندراجه ضمن ديناميات الربيع العربي الكبير من ناحية ثانية.
لكن المستصعب في هذا الإطار ليس عديم الجدوى. بل إنه صار أكثر ضرورة من ذي قبل.
لماذا؟ أولاً لأن ما يجعله صعباً كمية من الأوهام والمغالطات والمبالغات. هذه تمنع المسيحيين من النظر والعمل برويّة وسويّة وحزم. يمكن تلخيصها في ثلاث:
أولاً، المبالغة في تقدير دور المسيحيين في ما يسمى عصر النهضة العربي، ومن ثم في تقدير دورهم الافتراضي في نهضة عربية ثانية، لا حاجة للربيع العربي إليها في الحقيقة، إذ يكفيه فقط الالتحاق بالعالم، أي بركب الديموقراطيات الليبرالية من دون لفّ أو دوران.
ثانياً، الأوهام حول أن الدول الغربية لا تنام الليل من دون أن تطمئن على أحوال المسيحيين في الشرق الأوسط. أو الوهم مقلوباً: المناحة حول تخلّي الغرب عن واجباته تجاه مسيحيي الشرق.
ثالثاً، الأوهام حول المستبد الشرقي المنصف للأقلية الدينية إن هي تتحوّل إلى أقلية حاشية، وبالأخص إن كان هذا المستبد الشرقيّ مختلفاً أو منفصلاً عن القوم الأكثري في مجتمعه، أو مضطهداً له. وهذه معادلة مجنونة، اذ تجعل أمن الأقلية الدينية وسلامتها مرهوناً بنصرة استبداد يستلب طبيعتها وروحها، وبمجافاة أكثرية القوم، من دون تحسّب للزمن الآتي.
وفي المقابل، فإن بلورة تصوّر للربيع المسيحي تستصعب لأنها لا تجمع بين عناصر أساسية ثلاثة تسند المسيحيين في لبنان. فهم بخلاف السنة والشيعة فيه، وبسبب الحرب الأهلية نفسها وانكماشهم فيها، صاروا كمسيحيين جماعة تتكثّف في وسط البلاد بشكل متصل جغرافياً ومتجانس ثقافياً إلى حد بعيد، وإقليم ترتسم خارطته في الذهن من دون عناء, هذا أولاً.
وثانياً، فإن الطائفية الداخلية بين المسيحيين تراجعت الى أبعد حد، فصاروا كمسيحيين يبدون شعباً يتداخل فيه الماروني والارثوذكسي والكاثوليكي والأرمني والسرياني، وتضمحل فيه بهذا المعنى الطائفية، في مقابل المزيد من التطييف في الطوائف الاسلامية، مع خصوصية الوضع الشيعي في ظل حزب الله وسلاحه والارتباط بإيران الاسلامية وعقيدة أشرف الناس الاستعلائية.
وثالثاً، فإنه مهما كانت مساوئ نوستالجيا المسيحيين الى زمن الجمهورية الأولى، إلا أنهم استطاعوا بالفعل مراكمة تجربة في بناء الدولة لم تتكرّر سواء بسبب الحرب، أو بسبب الوصاية السورية، أو لغير ذلك من أسباب.
وبين الأوهام الثلاثة وعناصر القوة الثلاثة ثمة مفارقة. وهي انه منذ انسحاب القوات السورية من لبنان صارت الانتخابات تنافسية فقط عند المسيحيين في حين أنها شبه محسومة سلفاً عند المسلمين، لكن المسيحيين الذين لم ينقسموا مذهبياً في ما بينهم إنما سياسياً، فعلوا ذلك تأثراً بالانقسام المذهبي ضمن المسلمين، أو تراشقاً للتهمة أيّهم أكثر تبعية لحليفه من خارج الملّة. وفي المقابل، فإن ثمة ما خسره المسيحيون مع الحرب، ولم يسترجعوه: الديموقراطية الداخلية في أحزابهم. في الستينات، كان مثلاً حزب الكتائب على الرغم من القبضة العائلية حزباً متعدّد المنابر والتيارات. اليوم، بتنا نفتقد هذه الميزة التفاضلية التي كانت للمسيحيين في تجربة العمل السياسي والحزبي قبل الحرب.
... هذا غيض من فيض ما لم يعد بالمتسع تأجيل التطرّق اليه، إذا ما أريد لشرارة ربيع مسيحي لبناني أن تلمع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.