أن يكون مشروع الفرزلي قد نجح في إحداث صدع في بنيان الحركة الاستقلاليّة اللبنانية فهذا ما لا يمكن عزوه بأية حال من الأحوال إلى نظرية المؤامرة، أو أيّ من شبيهاتها أو تنويعاتها.
فحركة كمثل هذه، راكمت تجربة سياسية حافلة بما لها وما عليها منذ انتفاضة الاستقلال في شباط آذار 2005 إلى اليوم، لا يمكن أن تكون على ما يُرام إن تركت نفسها تُباغَت بمشروع مضى أكثر من عام ونيّف على ترويجه بين المسيحيين.
وإذا كان الخطأ السياسيّ المباشر يتحمّله بشكل واضح الفريق الذي وافق على هذا المشروع، فإنّ المسؤولية السياسية الشاملة يتحمّلها الجميع في هذه الحركة من دون استثناء، نظراً إلى غياب المكاشفة الصريحة في السنوات الأخيرة حول كيفية التوفيق بين وجهات النظر المسيحية وبين وجهات النظر المسلمة من قضايا تعني الإطار الميثاقيّ والدستوريّ والسياسي لعيش المناصفة الإسلامية ـ المسيحية وجعلها حيوية وقابلة للحياة والتجدّد والديمومة، ونظراً إلى ترك أقطاب هذه الحركة أنفسهم ينزلقون وراء التفتيش عن قانون انتخاب جديد، سواء جرياً وراء أوهام التحديث والعصرنة حيناً، أو في دوامة المزايدة مع ميشال عون حول من يأتي بأفضل قانون انتخاب لمصلحة المسيحيين حيناً آخر، غافلين عن واقعة أساسية، وهي أنّ أي قانون انتخاب جديد في ظلّ السلاح، غير قانون الستين، سيأتي بشروط السلاح الفئويّ المتحصّن وراء شبكة تحالفاته المحليّة من ناحية، والمندرج في منظومة الممانعة الإقليمية الخمينية البعثية من ناحية ثانية. عندما تركت الحركة الاستقلالية نفسها تنساق شيئاً فشيئاً وراء شعاراتية لا عودة إلى قانون الستين، فقد كانت تضع نفسها سلفاً تحت أمرة سلاح حزب الله. بشكل ما يمكن صوغ لسان حال الحركة الاستقلالية على هذا النحو: أُكِلت يومَ قلت إن لا عودة إلى قانون الستين في ظلّ السلاح. لماذا كل هذا الشطح؟ لماذا كل هذا العناء؟ لماذا كل هذا الانزلاق؟
مع ذلك، ثمّة ما هو صحيّ في هذا المشهد غير الصحيّ للحركة الاستقلالية وهي منقسمة على نفسها حول مشروع الفرزلي. إذ برزت الثنائية الإسلامية - المسيحية على رؤوس الأشهاد لتذكّر الجميع بمحوريّتها سواء على مستوى الحركة الاستقلالية أو على مستوى البلد، بعد أن سيق الكثير من الكلام في السنوات الماضية حول انتفاء عهد هذه الثنائية، سواء بفعل تلك المذهبية، السنية - الشيعية، أو تلك المستعرة بين ائتلافين عابرين للطوائف، على نحو متفاوت طبعاً، أي 8 و14 آذار. ما فات هذا الكلام المتسرّع في السنوات الماضية أن واقعة انقسام المسلمين سياسياً بحسب خارطتهم المذهبية الداخلية، وواقعة انقسام المسيحيين سياسياً وليس مذهبياً إنما بحسب تفاعلهم وتأثّرهم بالخارطة المذهبية للمسلمين أنفسهم، هما واقعتان تستعيدان على طريقتهما محورية الثنائية الإسلامية - المسيحية. لماذا؟ لأنه في الدرجة الأولى ينشأ تفاوت في الممارسة الديموقراطية. في الدورتين الانتخابيتين الماضيتين، كان هناك اختلاف كبير بين طريقة خوض الانتخابات بين المسيحيين وبين طريقة خوضها بين المسلمين. إلى حد كبير، كانت الانتخابات حامية الوطيس وغير مقرّرة النتائج سلفاً في المناطق ذات الكثافة المسيحية، في حين أن الكثافة الإسلامية كانت أقرب إلى حسم نتائج الانتخابات سلفاً، أو إلى ما يشبه أجواء الإجماع، الشيعي والسني والدرزي. طبعاً، ثمّة من وجد في ذلك علامة على ضعف المسيحيين: انقسامهم سياسيّاً، في مقابل التوحّد السياسيّ أو الهيمنة القطبية لدى الطوائف المسلمة. وثمة من وجد فيه علامة على حيويتهم: تعدّدية سياسية تتحرّك في إطار سلميّ، تحضر فيه معالم الدولة وحكم القانون. إلى حد ما، ثمة تداخل بين هذا وذاك.
اليوم، التحدّي الأساسي لإصلاح ذات البين ضمن الحركة الاستقلالية، ولإعادة تأهيل هذه الحركة لتقديم تصوّر سياسيّ شامل لحلّ الأزمة الوطنية اللبنانية تخاض الانتخابات على أساسه، هو إقرار هذه الثنائية الإسلامية - المسيحية على ما هي عليه، وشرط ذلك وعي أنّه لا يمكن فرض وجهة النظر المسيحية على المسلمين أو وجهة النظر الإسلامية على المسيحيين، ولا مناص من أخذ هواجس المسيحيين والمسلمين في الاعتبار. لكن ذلك يحتاج إلى ورشة فكرية وسياسية كاملة لا يمكن أن تنتهي لا في يوم أو في شهر أو في سنة، لأنّها ورشة تبحث في أمور فعلاً عويصة، وبالتالي فإن أي سلق لهذه الورشة فيه ضرر كبير. لماذا؟ لأن هذه الورشة تتم في ظروف غير طبيعية: غطرسة فئة معيّنة بالسلاح الفئويّ المتعصّب أيديولوجياً لولاية الفقيه الإيرانية في مقابل الفئات الأخرى. وأيّ إغفال لهذه الواقعة الأساسية يعرقل أي تشخيص عقلانيّ للإشكاليات الأساسية الواجب بحثها بشكل حيّ ومباشر بين المسيحيين والمسلمين في هذا البلد، فمن غير الصحيح أن هذه الإشكاليات قد وجدت حلّها جميعها في اتفاق الطائف.
من هنا، فإنّ الخروج بأسرع وقت من دراما الاشتباك بين فوضى المظلوميّات ضمن لفيف الحركة الاستقلالية، رهن بهذه القدرة على إدراك محورية الثنائية الإسلامية ـ المسيحية بشكل سويّ متصالح مع الذات من جهة، وبالقدرة على إدراك أنّ أي بحث في قانون انتخاب جديد غير قانون الستين من دون القيام بالورشة الإسلامية - المسيحية الشاملة فيه ضرر كبير، وأنّ هذه الورشة الشاملة لا يمكن أن تنتقل من بحث المقدمات إلى تجديد الصيغ قبل أن تسلك المشكلة المستعصية، مشكلة سلاح حزب الله، خطوتها الأولى باتجاه التأطير الوطنيّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.