رأب الصدع الذي أحدثته كرة إيلي الفرزلي في شباك الحركة الاستقلالية الآذاريّة يستدعي أكثر من معالجة تقليدية ظرفية. يستدعي منهجية جديدة، وإطاراً جديداً، لتبادل وبلورة الأفكار والرؤى ضمن هذه الحركة. ويستدعي قبل كل شيء الخروج من افتعال المواقف الدرامية، والمظلوميّات التي لا معنى لها. هناك وجهة نظر مسيحية تقول بأنه من غير المعقول، والنظام طائفي، أن تنتخب طائفة ممثلي طائفة أخرى. هناك وجهة نظر إسلامية تقول بأنه من غير المعقول الدفاع عن المناصفة الدائمة على طول الخط وللأبد، وجعل كل طائفة تنتخب نوابها على حدة في الوقت نفسه. إن تأجيل النقاش الداخلي الحقيقي ضمن الحركة الاستقلالية قادها إلى أن تباغت بـمشروع الفرزلي، وأي مباغتة؟ بعد أكثر من سنة على بدء تسويقه!
اليوم يشعر بعض هذه الحركة الاستقلالية بمظلوميته تجاه بعضها الآخر، والعكس أيضاً صحيح، لكن المطلوب، وبسرعة الإفلات من هذا. لا وقت للاسترسال في الدراما، أو لتبرير الدراما بشعارات لا ترغي ولا تزبد، وباستظلال كل وراء تأويل معيّن لـقسم جبران. في نهاية المطاف، تعني الواقعية في السياسة أنّه وبمجرّد كون اللاعبين السياسيين متعدّدين، فإن أي شكل من أشكال تحالفهم لن يلغي منسوباً معيّناً من اختلاف مصالحهم، واختلاف طرائق تعبيرهم عن هذه المصالح. كلما كان بالمستطاع إتاحة هذا التعبير بروح المكاشفة والاتزان والروية، من دون إسفاف وشعبوية ومظلومية، كلما كان ذلك أفضل بالنسبة إلى الخطوط الأساسية للتحالف.
يمكن أن تساق في معرض انتقاد الأداء الجبهوي والسياسي للحركة الاستقلالية مآخذ كثيرة. ما عاد أحد يكابر عليها، بل إن بعض المشكلة أن النقد الذاتي أخذ يتحوّل إلى مطهر سهل، من نوع الاعتراف بالأخطاء السابقة، عندما لا يكون لهذا الاعتراف مدلول سياسي مباشر.
إلا أنه بالرغم كل ذلك، يبقى هذا الإطار من التحالف الاستقلالي الإسلامي ـ المسيحي ضرورة كيانية رغم كل شيء، وإسعافه وإصلاحه على نحو عاجل هو أيضاً ضرورة كيانية. أكثر من ذلك: إن الصدع الذي ظهر على خلفية مشروع الفرزلي أخرج إلى العلن قلقاً من ضياع التراكم الاستقلالي يتخطى الملتزمين بالتلاوين السياسية لثورة الأرز.
كذلك، ثمّة حاجة للتذكير بأنّ ما ارتسم من وعد بدينامية ربيعية مسيحية كما تجلّى في لقاء سيدة الجبل قبل أكثر من عام، لم يستأنف، بالشكل اللازم للدفع نحو إعادة تعريف الاستراتيجيا التاريخية للموارنة والمسيحيين في إطار الحركة الاستقلالية وبالشكل التجديدي للنخب السياسية والثقافية المسيحية.
من يروّجون لـالفرزلة اليوم (نسبة إلى مشروع الفرزلي) يبرّرون ذلك بنظرة متشائمة حيال ما يحدث في المنطقة. لكن من يناهضونها، لا يمكنهم أن يبقوا على النظرة التفاؤلية نفسها التي عبّر عنها دعاة الربيع المسيحي المنخرط في الربيع العربي في لقاء سيدة الجبل. لا بدّ من نظرة أكثر توازناً هنا أيضاً. نظرة تتجاوز الإطار الضيّق (هل الوجود المسيحي في خطر في البلدان العربية؟) إلى إحاطة أكثر شمولاً بآفاق هذه المرحلة الانتقالية الهائجة في المنطقة، والمتسمة بانهيار أنظمة وبتأخر نسبي في الحسم الثوري في سوريا وبتصدّع المجتمعات العربية وبانتفاخة الحركات الإسلامية من دون أن يظهر في أي من بلدان العرب ظاهرة يمكنها أن تذكّر لا لجهة الكاريزما ولا لجهة الإيديولوجيا بالإمام الخميني.
لا بدّ من إطلاق النقاش على هذين الصعيدين، المسيحي الداخلي والإسلامي - المسيحي ضمن الحركة الاستقلالية فوراً.
لا مناص من البحث عن الحد الأدنى من الانسجام المنطقي. لا يمكنك أن تكون ضد العدّ أن تعلّق الأمر بعدد المواطنين بحسب طوائفهم، لكنك مع العدّ بمقياس دقيق أن تعلّق الأمر بعدد النواب المنتخبين بشكل دسم من لدن طوائفهم لا غير. وفي المقابل، لا يمكن أن تكون مع المناصفة من دون أن تكون مناصفة من لحم ودمّ.
العدد ليس تجريداً: العدد هو عدد من الناس، ولا يمكن لأي ديموقراطية أن تستهين بمرجعية العدد.
لكن التعدد بدوره ليس تجريداً: التعدد هو تعدد راسخ في البنى الثقافية والاجتماعية للبلد قبل تلك السياسية بالمعنى الصرف.
وإذا كان الخلل الديموغرافي ليس لصالح المسيحيين، فإن الكثافة المسيحية في وسط لبنان بشكل ترتسم خارطته بوضوح في الجغرافيا السكانية، هو معطى أساسي سيمنع دائماً اختزال المسألة إلى لعبة العدد.
نحتاج إلى الموازنة بين مثل هذا: الجغرافيا السكانية في مقابل أحادية المنظار الديموغرافي. لكن مثل هذه الموازنة لن يقدم عليها إلا من كان يؤمن بأن لا حركة استقلالية بلا نظرية استقلالية، وأن التعبير عن مصالح المسيحيين يذهب زبداً ما لم يتصل بإستراتيجيا تاريخية جديدة لهم. وهنا نعود للمربع المعتاد: على من تقرأ المزامير؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.