8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ما يراه رومني ولا يراه أوباما: روسيا والاستبداد الآسيوي

الراجحُ على ما تظهره الصورة الاعلامية الشاملة المتداولة، ان الرئيس الأميركي باراك أوباما سيجدّد ولايته. وأساساً، الرئيس الأميركي يكون في موقع أفضل من منافسه في مثل هذا الاستحقاق، خصوصاً وأن ترشّحه لطلب ولاية ثانية هو أمر يأتي من تلقائه، ولا يحتاج إلى انتخابات حزبية داخلية، حيث تقتصر هذه فقط على الحزب المنافس. وهذا يعني أنه كي يخسر الرئيس الأميركي حظه في ولايته الثانية، عليه إما أن يكون فاشلاً على نحو استثنائي، أو أن غريمه متألق على نحو استثنائي، كمثل تألق بيل كلينتون يوم نجح في حرمان جورج بوش الأب من ولاية ثانية، رغم كل إنجازاته في حسم الحرب الباردة والتخلص من الشيوعية، وفي تأديب صدام حسين.
في مقابل أوباما، لا يبدو المرشح الجمهوري ميت رومني بهذا التألق المطلوب لحرمان رئيس من ولاية ثانية. وأوباما لا يبدو فاشلاً بما فيه الكفاية، كي تكون خسارته قاب قوسين. وهذا يرجّح إذاً، تمكّنه، ولو بعد سباق محموم، وربما بحجم تصويتٍ شبه متقارب، أو شبه متعادل، من انتزاع ولاية ثانية. في الوقت نفسه، لا يمكن لأنصار أوباما أن يناموا هانئين منذ الآن، لأن رومني برهن بدوره أنه منافس حقيقي نجح على ما يبدو في تقليص الفارق أكثر فأكثر، ولو لم يخدمه أبداً إعصار ساندي الأخير. وهكذا منافس ما زال بإمكانه أن يعاكس التوقعات، ويصنع مفاجأة، ولو أن نسبة هذا الاحتمال محدودة. إلا أنه احتمال لو نجح، لن يتأخر المحافظون في تصويره كمعجزة، ورومني نفسه سيحيله على مصادر في عالم الأسطورة والغيب.
كشف رومني عن رجعية في التعاطي مع قضايا كثيرة، وعن خفة في التعاطي مع قضايا أخرى. مع ذلك، فما يمتاز به المرشح الجمهوري عن الرئيس الديموقراطي هو أنه يرى بوضوح أكثر حال العالم، وتحديداً من خلال سياسته المتصلبة تجاه موسكو. فبالنهاية، يمثّل الضعف الأميركي والغربي تجاه موسكو في السنوات الأخيرة أحد أبرز سمات الأزمة العالمية المقلقة. وإدارة أوباما تهاونت كثيراً في هذا الجانب، ما لم يفهم من الجانب الروسي إلا نفخاً في أوهام النوستالجيا السوفياتية، وضرباً لمسيرة التوسع الديموقراطي الليبرالي في الجمهوريات السوفياتية السابقة، بالاستفادة طبعاً من الأخطاء الكارثية لليبراليين الأوكران والجيورجيين.
وإذا كانت انتفاضات الربيع العربي قد عوضت إلى حد ما عن توقف مساحة التوسع الديموقراطي في الشرق السوفياتي السابق، فقد جاءت الثورة السورية وموقف موسكو النافر في مساندته للنظام البعثي الفئوي، ليدقّ ناقوس الخطر لجهة أهلية روسيا الاتحادية المعاصرة في تقبل التطور المتوازن للعالم باتجاه المزيد من السلام والمزيد من الديموقراطية. كلّ هذا، فيما الذهنية المتحكمة بواشنطن تحول دون إفهام موسكو بأن الحرب الباردة حسمت منذ عقدين بشكل لا يمكن التحايل عليه بمصطلحات لافروفية.
هناك اليوم، أزمة حقيقية في العديد من الديموقراطيات. الأجندة التسلطية عادت لتطلّ برأسها في بلدان مثل المجر ورومانيا. الأزمة الاقتصادية لم تكتف بكارثة اجتماعية في اليونان بل خلخلت إلى حد بعيد المؤسسات السياسية. بالتوازي، الربيع العربي يظهر كتعايش مأزقي بين ثورة مخملية ليبرالية وبين ثورة محافظة إسلاموية لا يمكنها إلا أن تذكر بالمأساة الإيرانية. كل هذا العالم يبدو إذاً ممسوساً بقدر من الجنون، وكثير من هذا الجنون مردّه أو تعبيره الظن بأن العصر الأميركي انتهى. ربّما، لأجل ذلك، كان من الأنسب أن يصل إلى سدة الرئاسة الأميركية اليوم من يشعر العالم بأنه لا يقلّ جنوناً عن هذه الحالة المضطربة الكونية. فهذا بحد ذاته قد يساهم بإعادة الجميع إلى حافة الرشد، وخصوصاً القيادة الروسية.
ميت رومني رجعي تماماً في أمور كثيرة. لكن المجتمع الأميركي والفيديرالية قادران على امتصاص أكثر مواده الرجعية بيسر، في حين أن تمايزه في الوضوح الاستراتيجي عن أوباما هو أمر لا ينبغي إنكاره، حتى لو كان راسباً في المعلومات الجغرافية البدائية. ما يراه رومني ولا يراه أوباما، هو أن أركان الاستبداد الآسيوي أو الشرقي تخاف رومني ولا تخاف أوباما.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00