ثمة حوض كبير من العبثية يتحرّك فيه ويتعطّل من خلاله أي نقاش حول قانون الانتخاب المناسب للبنان الآن، وكذلك في بعد آخر، أي تصوّر لكتاب مدرسيّ موحد. المشكلة واحدة في الحالتين.
فمن جهة قانون الانتخاب، لا ترجع المعضلة فقط الى ان كلّ فريق يطرح مشروع القانون الذي يضمن له اكبر قدر ممكن من كسب المقاعد، بل اساس المعضلة انه مضطرّ لحمل غريمه على اجازة مثل هذا المشروع.
ومن جهة كتاب التاريخ الموحد، لا ترجع المعضلة فقط الى ان كل جماعة تريد اظهار سرديتها وأساطيرها المؤسسة بأكثر قدر ممكن، بل في أنها تريد من الجماعة الأخرى أن تسبغ على هذه السردية صفة الموضوعية.
وفي هذين النموذجين، ثمة أزمة حقيقية تطاول الوجود اللبنانيّ، وللأسف، تعطّلت سنة بعد سنة قدرة الخطاب ذي النفحة الاستقلالية اللبنانية على الاقرار بأن هناك بالفعل مجموعة معضلات لا تختزل كلّها في المشكلات السياسية الأكثر نفوراً، من نوع السياسة التدخلية للنظامين الايراني والسوري ضد استعادة لبنان سيادته وقراره، وسياسة حزب الله الهيمنية على المجتمع والدولة، على طائفته وعلى باقي الطوائف في لبنان.
ثمة، بالتداخل مع هذه المشكلات السياسية النافرة، مشكلة كيانية تتعلّق بكيفية النظر الى تركيبة هذا البلد والى نوع النظام السياسي القابل للعيش فيه والقادر على تأمين حدّ أقصى من التوازن.
وأساساً، لا مجال للتقدّم على جبهة حل المشكلات السياسية النافرة والتي تبدو وبشكل مزمن مشكلات مستعصية، الا بالاشارة الى المشكلة الكيانية، تلك التي تظهر دورياً كلما يجري الحديث عن قانون انتخاب، كما تبرز موسمياً كلما عدنا الى قصة التاريخ المدرسي الموحّد.
في مجال قانون الانتخاب، تصارعت مقولتان منذ انتهاء الحرب. مقولة قانون يؤمّن صحة التمثيل تقابلها مقولة قانون يؤمن الانصهار الوطني.
طبعاً، تدهورت سنة بعد أخرى مصداقية مقولة الانصهار، الا انّه تدهور ادّى الى خلط الحابل والنابل بينها وبين مقولة صحة التمثيل.
شكّلت مقولة المناصفة الاسلامية المسيحية اطاراً يستقبل هذا الخلط بين صحة التمثيل وبين تحقيق الانصهار او الاندماج او الوحدة.
فاتفاق الطائف يمكن ان يقرأ بأحد اتجاهين. اما المناصفة هي المركز فيه، ويجري تأويل هدف الغاء الطائفية على انه لا يؤثر عليها. واما الغاء الطائفية هو الهدف النهائي وينبغي قراءة المناصفة كتدبير انتقالي.
في انتخابات ، تقدّمت قوى اذار بتصوّر شجاع في هذا الموضوع: المناصفة الدائمة.
الا ان هذا التصوّر لم يجر الاشتغال عليه كفاية.
فثمة المناصفة الشكلية، وهذه يمكن ان تعطي نصف المقاعد للمسيحيين من دون ان يكون المسيحيون من يختارون حتى اكثرية نوابهم.
وثمة المناصفة الكلية، وهذه تكابر على سؤال العدد، وتؤدي على المدى البعيد الى ضرب حجية المناصفة، والى نضوب مصادر شرعية النظام السياسي والدستوري.
لكن بين ان تكون المناصفة شكلية تنكرية وبين ان تكون المناصفة كلية مطلقة، ثمة بالفعل تصور آخر، شرطه الاعتراف بأنه لا يمكن المكابرة على العدد تماماً، من جهة الناخبين، اذا كان الاهتمام منصباً على العدد من جهة النواب وكيفية وصولهم الى البرلمان، وبأصوات من.
فبالنهاية، الديموقراطية التمثيلية سواء كانت عددية او توافقية لا يمكن ان تنأى بنفسها عن المعادلات الحسابية.
والديموقراطية بشكل عام عددية وتوافقية في آن، لأنها مسعى مؤسسي للتوفيق بين معايير العدد وبين آفاق التعدد.
وفي لبنان، هذا التوفيق تضبطه قاعدة المناصفة منذ الطائف. لكن المناصفة لا تلغي الواقع العددي، انما هي لترويضه، لتكييفه مع الواقع التعددي في هذا البلد. انها اذاً كي تكون مناصفة قابلة للتجدد عليها ان تكون مناصفة لا مطلقة او كلية ولا مجردة او تنكرية، بل مناصفة تحاول ان يكون تقدير كم من نواب مسيحيين سيصلون بأصوات مسيحيين مسألة نسبية، تتبدّل بحسب التحالفات، وأشكال توزّع الأصوات، أي لا تجعل نتيجة الانتخاب معروفة سلفاً، وتعطي هامش متغير حقيقي لدور الطوائف في اختيار النواب.
وهنا، لنا ان نتساءل حيال ما يطرح من مشاريع للآن، ان كان هذا التصميم القطعي لعدم العودة الى قانون الستين ضرورياً، واذا كان قانون الستين اسوأ فعلاً مما يطرح الى الان، ومن قابلية تبني ما يطرح ليكون هو القانون، وما اذا كان التصميم القطعي برفض قانون الستين دون تأمين بديل يمكنه ان يكون مدخلا لتعطيل او تأجيل العملية الانتخابية.
واساساً، يمتاز قانون الستين بشيء اساسي، وهي ان القضاء هو فعلا الدائرة الجغرافية التي يتصالح معظم اللبنانيين معها من جهة الانتماء. اللبناني يعرّف عن نفسه أيضاً بالاشارة الى قضائه. القضاء أصدق من المحافظة وربّما من المجدي في وقت لاحق وزيادة للامركزية جعل كل قضاء محافظة وانبثاق مجلس منتخب لكل قضاء - محافظة.
الأمر الثاني، يمكن تصحيح الخلل في توزيع المقاعد طائفياً بنقل الحالات التي ما عادت تقبل التأجيل في هذا الاطار، من قضاء الى آخر.
وهذا يعني انه يمكن فعلاً باعتماد القضاء واعادة نقل بعض المقاعد، وربما التفكير في تصحيح جغرافيا بعض الاقضية، ان يحوز المسيحيون على قدرة التأثير الحاسم على اختيار اكثرية نوابهم، دون ان يكون هناك سقف مسبق لذلك، اذ كل شيء سيتحدد حسب التحالفات أيضاً وشكل خوض المعركة.
فالمناصفة الواقعية، يمكن ان تتخذ من قانون الستين معدّلاً مدخلاً لحماية نفسها من مطبين: مناصفة شكلية لن تلبث حتى تسقط، ومناصفة كلية لن تلبث حتى يطاح بها.
وفي الأساس، هذه أفكار اولية لمقاربة المشكلة الكيانية اللبنانية، لكن الأهم الآن هو الالتفات الى ضرورة التروي في اعلان القطع بشكل حاسم مع قانون الستين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.