تأتي الهوجة، على خلفية الفيلم الاستفزازي المسيء لنبي الاسلام والمسلمين، لتعكس بعضاً مما يواجهه الربيع العربي في الوقت الحالي، وتحديداً في نطاق التفاوت الكبير ضمن هذا الربيع، بين المسار الحيوي للتحرر من الاشكال النافرة للطغيان والاستبداد (عبودية الحاكم، الحزب الواحد، اللاحزبية، سطوة الاجهزة الامنية)، وبين المسار المتواضع لبزوغ افق الحرية (انطلاقاً من التبني الكامل وغير الملتبس بأي خصوصية ثقافوية لمفهوم حقوق الانسان بكافة مندرجاته، والاقرار بالتعددية على كافة مستوياتها).
والربيع العربي يواجه في هذا المجال تحديات أربعة على الأقل، على ما تظهره المرحلة الأخيرة.
فمن جهة، ثمة تلك الاسلاموفوبيا المتطرفة، الاستفزازية، الغبية والخبيثة في آن، كما سوّقت لنفسها في هذا الفيلم - الاعتداء على مشاعر مئات الملايين من المسلمين عبر العالم. الغباء يتصل بالمسافة الضوئية الفاصلة بين التراكم المعرفي والفكري الواسع الذي حققه الغربيون حول التراث الاسلامي، والذي أثّر على مسار الامور داخل العالم الاسلامي بشكل او بآخر، وبين الضحالة الذهنية للاسلاموفوبيا والطابع الهزلي للرموز والاشارات التي ترسلها على سبيل استفزاز مشاعر المسلمين الدينية والثقافية والعرقية أيضاً، لان المسلمين في خطاب الاسلاموفوبيا يجري تصوريهم كـعرق معين من البشر، وليس على ما هو عليه واقع الامر، كتعددية لا حصر لها من الاقاليم الحضارية والمناخية. أما الخبث، فمرده ان الاسلاموفوبيا تسوق لنفسها تحت شعار ان قبول ما تروجه هو امتحان لدرجة تسامح المسلمين. وهذه لعبة خطيرة: الانزلاق من تسطير مظاهر العنف في الاسلام الى تصويره على انه دين العنف ثم الايحاء بانه كذلك لانه اما ليس بدين بالمطلق واما لانه دين من صنع الشرير. من هنا، فان الغضب الاسلامي العارم بوجه الفيلم الاستفزازي له بالفعل نواة عقلانية: انه غضب كاشف للاسلاموفوبيا على حقيقتها.
ومن جهة ثانية، ثمة هذا المزيج الغريب العجيب بين الايديولوجيا الاسلاموية المذهبية الثورية الايرانية وبين انواع مصنعة محلياً من الاسلاموفوبيا الاقلوية او العلمانوية العربية بحجة ان الربيع العربي هو ربيع للسلفية التكفيرية ينبغي مقاومته، الا اذا كان من الممكن الحاقه تبعياً بولاية الفقيه. في المسألة السورية، تتشابك الاسلاموية الثورية في صيغتها الباسدرانية مع الاسلاموفوبيا البعثية - الحلف اقلوية الذمية.
ومن جهة ثالثة، هناك الانفعالية الغوغائية بوجه الاسلاموفوبيا، على قاعدة الارتداد الى الاشكال الاكثر بدائية ومرضية لمعاداة الغرب، ومعاداة اميركا، ومعاداة المسيحية، ومعاداة السامية، ومناصبة العداء للتشيع والمذاهب الاخرى التي تنتمي على طريقتها الى التراث الاسلامي التعددي.
وتدخل ضمن هذه الغوغائية تلك التصريحات الاستفزازية الاخيرة ضد قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، وهذا العجز عن اي مقاربة تاريخية وازنة للامور، حيث تختلط خبط عشواء حروب الاندلس بالحملات الصليبية بالاستعمار الحديث بمحاضرة راتيسبونة فيطالب البابا بالاعتذار عن كل هذا، في مسخ هزلي لتاريخ معقد ومتشعب على ضفتي البحر الابيض المتوسط.
ومن جهة رابعة، هناك خفّة معطوفة على كثير من الرياء، وتتمثل في شكل تعاطي الحركة الاسلامية مع هذه التحديات، خصوصاً في مصر، ما استدعى موقفاً قلقاً للرئيس الاميركي باراك اوباما، حيال مستقبل مصر في ظل حكم الاخوان. فهذه النخب الاسلامية التي اختارت الاحتكام لصناديق الاقتراع والانتخابات العامة لم تختر في الوقت نفسه الحريات العامة والخاصة، انما تفاصل على بعض هذه الحريات وتسعى لتقزيم او تقنين او ضرب بعضها الاخر. وهذا يعني انها ما زالت بعيدة عن الديموقراطية. كما انها لا تبدو مستعدة كفاية للانخراط في عقد المجتمع الدولي والعلاقات الديبلوماسية الحديثة، بل تتواطأ نسبياً مع الانفعالية الغوغائية، انما طبعا ليس لتكرار مشهد تشرين الثاني ، يوم اقتحم الطلبة السائرون على خط الامام السفارة الاميركية بطهران واعتقلوا من اعتقلوهم لـ يوماً.
الظرف مختلف اليوم. لكن بحكم المؤكد ان شيئاً من ذاك الكابوس مر بخاطرة الرئيس اوباما وفريقه، وكانت نتيجته التعبير عن القلق حيال الوضع السياسي في مصر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.