8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تزكية ليبية مبكرة لمبدأ التداول

أن تجيء هويّة الفائز أو المتصدّر في الإنتخابات الليبية مغايرة لهوية الفائز أو المتصدّر في الإنتخابات التونسيّة والمصريّة فهذا بحدّ ذاته فأل خير، وبشرى سارّة، ورفع لمنسوب التفاؤل في مسيرة الربيع العربيّ، دون أن يفهم من هذا الكلام دعوة العين النقديّة لكي تسهد وتنام. وينبغي ألاّ ننسى للحظة أن التركيبة القبلية للمجتمع الليبي لعبت دوراً أساسياً في تعزيز حظوظ الليبراليين على حساب الإسلاميين.
وعلّة التفاؤل هنا ليس مردّها الإسترسال في فضائل الليبراليين على حساب الإسلاميين، فكلّ الرهان يبقى على تطوّر هذه البلدان المشمولة أو التي ستشمل بزلزال الربيع بإتجاه تأمين السبل الدستوريّة والمؤسساتية والواقعيّة لتداول السلطة، ومن هذا الجانب بالتحديد يمكن الإستبشار باختلاف نتيجة الإنتخابات في ليبيا عنها في تونس أو مصر: علامة فارقة على طريق تزكية مبدأ التداول على السلطة من جهة، وعلى طريق تبلور أفق عمليّ للمقارنة بين تجارب برلمانية عربية مختلفة من جهة أخرى.
وليس سيئاً أبداًَ أن يتعلّق التداول على السلطة في هذه البلدان بالتزاحم بين نوعين من القوى: قوى سياسيّة تحيل بشكل أو بآخر على الموروث الدينيّ الثقافيّ الإسلاميّ، وبشكل محوريّ على الموروث التشريعيّ الفقهيّ الإسلاميّ، وفي هذا اختلاف بيّن عن تجربة العدالة والتنمية في تركيا، وتقابلها قوى سياسيّة تحيل بشكل منهجيّ أو بشكل جزئيّ على الأنوار الغربية، وتقول بالمفهوم الكونيّ لحقوق الإنسان، وبالمفهوم الحديث للقانون، وبالدرجة الأولى للقانون الدستوريّ حيال الداخل، أو لبناء الداخل، والقانون الدوليّ حيال الخارج، أو للتفاعل مع الخارج.
هذا مع استدراك أوّليّ وأساسيّ، وهو أنّ الحالة الثوريّة التي يشكّلها الربيع العربيّ لا يبدو أنّها ستجد نفسها في حاجة إلى صياغة شرعة حقوق إنسان جديدة تخصّها، كما كانت الحال مع الثورة الفرنسية وشرعة حقوق الإنسان والمواطن، والثورة الروسية وشرعة حقوق الشعب الشغّيل والمستغل. وبهذا المعنى ليس ما يؤشّر الى أننا سنكون أمام مقابل ربيعيّ عربيّ للثورة الإيرانيّة التي جازفت من جهتها، بمحاولة استصدار شرعة حقوق تعكس الأيديولوجيا الظافرة بهذه الثورة، دون أن تنجح في تحويل ذلك إلى حدث تأسيسيّ يتجاوز مستوى الدعاية المبرّرة لأشكال مختلفة من القمع والتعتيم. بهذا المعنى، فإنّ مجموع الديناميّات العربية الربيعية يوحي بأنّه يرتضي بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان، التي تعود بشكل أو بآخر إلى شرعة حقوق الإنسان والمواطن الفرنسية لعام 1789، وقبلها لإعلان الإستقلال الأميركيّ لعام 1776. وهذا قد يتحمّس له الليبراليون طبعاً أكثر بكثير من الإسلاميين، لكنّ الإسلاميين العرب المنخرطين الآن في الألعاب الإنتخابية، وفي بدايات التجارب البرلمانية، يرتضون بهذا بشكل أو بآخر، ويستخدمون الحيل الفقهية بإزاء هذه الأرضية بالتحديد، وهذا بحدّ ذاته معطى حيويّ لا بدّ من إمعان النظر به وتتبعه على نحو مثابر. لسنا إذاً أمام أي شطح عند الإسلاميين العرب، من النوع البلشفيّ أو الخمينويّ الداعي إلى استبدال شرعة حقوق الإنسان بشرعة أخرى. وفي المقابل، فإنّ القوى التي توصف بأنّها ليبرالية هي كذلك الآن بالمعنى الدفاعيّ للكلمة، أي أنّها تعمل لحماية المكتسبات العلمانية للأنظمة الإستبدادية المنهارة، على اختلاف هذه المكتسبات قانونياً وواقعياً بين تونس وليبيا ومصر، وليست تطرح على نفسها في الغالب، حتى الآن، توسيع هذه المكتسبات في إتجاه تحريريّ تجاه قضية المرأة، أو تجاه الأقليات الدينية والإثنية واللغوية.
وبالتالي نحن في لحظة متأرجحة، ما بين عدم قدرة الإسلاميين العرب على تدشين لحظة شرعة حقوق على الطريقة البلشفية أو الخمينية، وعدم قدرة الليبراليين العرب على تجاوز إطار حماية المكتسبات العلمانية للأنظمة الإستبدادية المنهارة نحو توسيع هذه المكتسبات، بالشكل المتلائم مع انبثاق تجارب برلمانية مؤطّرة دستوريّاً، ومع حريّة الرأي والتعبير، وتفتّح الحريّات العامّة والخاصة. ومن علامات هذه اللحظة انتشار مصطلح بالغ الإلتباس يفهمه كلّ على طريقته، وهو مصطلح الدولة المدنية الذي ليس له مقابل مستخدم فعلاً في اللغات الأخرى، وإن كان يحاكي بشكل أو بآخر فكرة الدولة الدنيوية.
في لحظة متأرجحة، وملتبسة، على هذا النحو، تعطي النتائج الإنتخابية الليبية انطباعاً حسناً، ليس لأنّها أفضل مما حصل في تونس أو مصر، بل لأنّها تساهم في إعادة تجميل صورة ما تحقّق في تونس ومصر، كما تساهم في تزكية صورة مستقبلية متفائلة بأن يتداول الإسلاميون والليبراليون على السلطة، وهذا أفضل بكثير من أن تبقى الأمور في أسر ثنائية عسكر وإسلاميين، أو في أسر ثنائية إخوان وسلفيين، أو في أسر وهم استبعاد الإسلاميين لتحصر المنافسة داخل اللون الليبراليّ الواحد!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00