8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحيوية المصرية: كابوس الديموقراطية

مفارقة المفارقات في الإنتخابات الرئاسيّة المصريّة، أنّه، إذا احتسبنا الخيارات السياسيّة المعبّر عنها من خلال التصويت للمرشّحين أحمد شفيق، حمدين صبّاحي، عمرو موسى، يظهر أنّ أغلبية المصريين اقترعت ضدّ التيّار الدينيّ. أمّا إذا احتسبنا الخيارات السياسيّة المعبّر عنها من خلال التصويت للمرشّحين محمد مرسي، حمدين صبّاحي، عبد المنعم أبو الفتوح، فيظهر أنّ أغلبية المصريين اقترعت ضدّ فلول النظام السابق. لكن، وبنتيجة تداخل الخيارات هذه بالخيارات تلك، كما بنتيجة خارطة المرشّحين وتوزّع أصواتهم، رست النتيجة على تأهّل محمّد مرسي وأحمد شفيق إلى دورة الإعادة، أي الأكثر نفوراً بين مرشّحي التيّار الدينيّ من جهة، وفلول النظام السابق من جهة أخرى!
باستعراضها بالشكل الحسابيّ التالي، تصير المفارقة فعلاً مذهلة. في الأسبوع الماضي، وعشية الدورة الأولى، كتبت ما معناه أنّ أسهل السيناريوهات هو وصول عمرو موسى، نصف الفلولي وعبد المنعم أبو الفتوح، الإخواني المهجّر من جماعته، إلى الدور الثاني، في حين أنّ أسوأ هذه السيناريوهات هو وصول الحالتين الأكثر نفوراً. مع ذلك، فإنّ هذا الكابوس لا يمثّل أبداً خروجاً عن العملية الديموقراطيّة. بالعكس تماماً. أهمّ ما فيه، هو تذكير العرب كلّهم، وليس فقط المصريّين، بأنّه إذا كان التحوّل إلى الديموقراطيّة محور النضال الربيعيّ العربيّ، فإنّ الديموقراطيّة التمثيلية لوحدها ليست الحلّ، وهي كنظام يعتمد أساساً على مفارقات حسابية، يمكن أن تفرز أكثر من كابوس وكابوس، إنّما السؤال يبقى كيف التعامل مع كل كابوس؟
والكابوس هنا ينبغي تحديده. ليسَ أبداً أنّ المصريين منقسمون بين تيّار دينيّ ماضويّ وبين فلول نظام مخلوع الرأس، بل في أنّ الإنتخابات نفسها يصوّت أكثر المصريين فيها ضدّ التيّار الدينيّ الماضويّ وضدّ فلول النظام السابق، فتكون النتيجة وبموجب الديموقراطية نفسها وصول مرسي وشفيق. إنّه إذاً كابوس ديموقراطيّ مئة في المئة. أمّا أن يكون هذا الكابوس الديموقراطيّ ممرّاً لإنتاج كوابيس الإرتداد عن الديموقراطيّة في أحد الإتجاهين، الأمنيّ أو الثيوقراطيّ، أو مزيج من كليهما، فهذه مسألة أخرى، لها يومها.
الحلّ الأسهل أي تأهّل عمرو موسى في مقابل عبد المنعم أبو الفتوح لم يكن ممكناً. فموسى انخسفت شعبيته بشكل متسارع في الأشهر الأخيرة، ويبدو أنّها كانت منفوخة أصلاً بما لا يسندها واقعياً، فليس بأغنية شعبان عبد الرحيم بحبّ عمرو موسى وبكره اسرائيل يكتسب الرجل شرعية وطنية، والمشكلة من الناحية المصريّة ليست فقط أنّه كان جزءاً من بيروقراطية النظام السابق، بل في تحميله المسؤولية عن السياستين المصرية والعربية اللتين أدّتا، إلى إظهار ضعف مصر الإستراتيجي عند تقسيم السودان.
أمّا عبد المنعم أبو الفتوح، فإنّ ما حرمه من الإنتقال إلى الدور الثانيّ، أن شعبيته كشخص أكل منها التكليف الشرعيّ والتعبئة العامة في التيّارات الدينية لمصلحة محمد مرسي، والإندفاع الجمهوريّ في المقابل لمصلحة التصويت لحمدين صبّاحي، الناصريّ الشعبويّ. وصبّاحي هذا، رغم أنّه كان المرشّح الأكثر تقدميّة، أيديولوجياً، بين المرشّحين الأساسيين، الا انه لعب من الناحية الحسابية، الدور الأساسيّ في استبعاد أبو الفتوح، وبالتالي في رسوّها على السيناريو الكابوسيّ، مرسي في مقابل شفيق. وللتاريخ، ربّما كان الأفضل لقوى الثورة، لو أنّها أجمعت على عبد المنعم أبو الفتوح، استيعاباً لاتجاهات الأسلمة السياسية والثقافية المتنوّعة والكثيفة في المجتمع المصريّ، وإيثاراً لحل أردوغانيّ يصيب عصفورين بحجر: الفرعونيّة الأمنية من جهة، والتنظيم الميليشيوي لجماعة خيرت الشاطر داخل الإخوان من جهة ثانية. لكن، جيل الشباب فضّل حمدين صبّاحي، ما يعني من الناحية الإيجابيّة أنّه اختار مرشّحاً بوجه تقدّمي، وما يعني من الناحية السلبية أنّه اختار مرشّحاً من فلول 23 يوليو!
أيضاً، فالمرشّح أبو الفتوح لم يساعد نفسه بالشكل المطلوب، وغابت عنه أثناء مناظرته التلفزيونية مع موسى الجرأة والوضوح، ويبدو أنّ هذه المناظرة لعبت دوراً سلبياً لكل منهما، بحيث فكّك كل واحد صورة الآخر، وبدا الاثنان بارِدَين وخارج السياق قياساً على الظرف.
في النهاية، وصلنا إلى الكابوس الديموقراطيّ: إمّا مرسي، وإما شفيق. ديموقراطيّة الكابوس بحدّ ذاته لا تعني أنّ المرشّحين ديموقراطيان. وفي الوقت نفسه، لا يمكن التظاهر بنسبية على طول الخط، كما يفعل الكثيرون الآن. بين مرسي وشفيق، لا يمكن للربيع العربيّ أن يسلك إلا هذه الدرب المحفوفة بالمخاطر والألغام كثيراً كثيراً، وهي درب التصويت لمحمد مرسي.
هذا، مع التذكير بأن من يقول ذلك عارض حلّ الحزب الوطنيّ، ويرى أنّ الإدعاء على حسني مبارك لا يزال فاقداً للأوراق الأساسية، كما يرى أنّه لا مناص من دور للجيش والأزهر في المرحلة الإنتقالية، وأنّه لا ينبغي المبالغة كثيراً في الحديث عن شرعية ثورية لميدان التحرير إلخ. إلا أنّ ذلك كله شيء، والعودة إلى خيار التصويت لـالفرعونية الأمنيّة بحجة أنّ التيّار الإخوانيّ سيقمع الحريّات شيء آخر. أوّلاً لأن إحياء الفرعونية الأمنية بعد سقوط مبارك هو خيار يائس، وينذر بانزلاقات خطيرة في مستنقع انعدام الإستقرار. وثانياً، لأنّه آن الأوان لليبراليين والعلمانيين لأن يقرّوا الواقع على ما هو عليه: من كانت تقمعه الأنظمة العربية في الثلاثين سنة الأخيرة كان بشكل أساسيّ الإسلاميون، في الوقت نفسه الذي كان فيه هؤلاء يطالبون وهم يُقمعون بقضم الحريّات العامّة والخاصّة المتبقية للمجتمع. التحدّي الآن هو تجاوز هذه المعضلة، وهو ما قد يتطلّب مرحلة زمنية غير قصيرة. بالتوازي، فلئن صحّ توقّعنا حول محوريّة التصويت القبطي في إيصال شفيق، فإنّ الأهمّ التوقّع بأنّ المسألة القبطية ستزداد مركزية على جدول الأعمال المصريّ، إن وصل مرسي، جنباً إلى جنب مع قضية المرأة، وتأهيل الثورة المصريّة لمستوى أكثر تقدّماً في الطرح والفعل يتطلّب جرأة تاريخية في طرح المسألتين غير الواردتين، إلا لماماً في بيانات المرشّحين الرئاسيين جميعاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00