مشكلة الاستفادة التلقائية للاسلاميين، اخواناً وسلفيين، من الزلزال المتعارف على تسميته الربيع العربي، هي مشكلة لم تعالج بعد بالشكل الجدّي الكافي. يعود السبب في ذلك الى امر اساسي: المشكلة ليست عند الاسلاميين، انما في البديل المفترض ان يتبلور إزاءهم. وهذا البديل، علمانياً كان أو ليبرالياً، لا يمكنه ان يتكل فقط على مجرد ترديد ان الاسلاميين لا يمتلكون حلولاً عملية للمشكلات المطروحة.
والنقطة الثانية هي ان تطور التيارات الاسلامية في الاتجاه الدستوري والمدني، لا يمكن بدوره ان يكون تلقائيا، لمجرد ان الاسلاميين عانوا الأمرّين من الانظمة الاستبدادية العربية المتهاوية. لقد كانوا يطالبون بقضم هامش الحريات العامة والخاصة، وبالدرجة الاولى حرية التفكير والتعبير، في عزّ حملات القمع ضدهم. طبعاً، تطورت افكار كثيرة ضمن المنظومة الايديولوجية للاسلام السياسي أو الحركي، أكثر تقبلاً للتعددية وللحق في الاختلاف من غيرها، الا ان استكمال هذا التطور مرهون بتبلور البديل من الاسلاميين، الذي يمكنه أن يُحدث في المزاحمة الديموقراطية معهم قفزة نوعية، بحيث تتأمن قاعدة التداول على السلطة، ومعها قاعدة الفصل بين السلطات. واذا اخذنا تركيا مثلاً، السبّاقة في باب التطور الديموقراطي لحركتها الاسلامية، فإن ضعف العلمانيين الجمهوريين فيها، وعدم تمكنهم من جعل السلطة تداولاً فعلياً بينهم وبين حزب العدالة والتنمية، هو الذي يشكل المشكلة.
في تونس، وجد غير الاسلاميين، وهم النصف الآخر من البرلمان، سبيلاً لإيجاد ما يقوم مقام هذا البديل، من خلال التكتيل العددي لبعض من قواهم. لكن ذلك لا يكفي. من دون انبثاق خطاب جديد، قادر على الشخوص الى المسائل الاساسية التي تتعلق بقضايا المجتمعات العربية، وخصوصا في ما يتعلق بمشكلة التعددية الاثنية والمذهبية واللغوية والمناطقية والجنسية، ومن دون تفكير اقتصادي جديد، قادر على مخاطبة فئات شعبية واسعة النطاق، وعلى التفاعل في الوقت نفسه مع آفاق المجتمع الاستهلاكي، فإن هذا البديل لن يتأمن، وسيبقى الليبراليون واليساريون والقوميون، وغيرها ما شئت من التسميات الأخرى، يضحكون على انفسهم قبل اي شيء آخر.
المنطق التبريري الأجوف لا ينفع بديلا امام صعود التيارات الاسلامية. المشكلة ليست في الاسلاميين بل في اخصامهم. باسم التنوير برّر العلمانيون قمع الاسلاميين حيناً، وبرروا اباحة الحرية لهم حيناً آخر. باسم التنوير بالغوا في التخوف من خطر الاسلاميين في لحظة سياسية معينة، ثم بالغوا في التهوين من شأنهم، وكم التوقعات العلمانية والليبرالية الخائبة في هذا المجال عشية انتخابات تونس ومصر ما زال يمثل امامنا.
وطالما ان البديل من الاسلاميين غير موجود فكرياً وتنظيمياً وسياسياً، اي غير موجود بالشكل الكافي، فإن معايير الكفاءة والفعالية وحسن الاداء لن تكفي وحدها ليخبو نجم الاسلاميين. وفي الاساس ليس المطلوب ان يخبو هذا النجم. انما المطلوب ايجاد السبيل الى التداول على السلطة، والفصل بين السلطات، والمشاركة التاريخية في بناء انظمة ذات شرعية دستورية.
الخطاب الليبرالي العربي هو الأحرى في هذه اللحظة بأن ينقد من الخطاب الاسلاموي. لان معدل التبريرية فيه قد زاد على حدّه بما لا يخدم مصلحة تحرير المجتمعات العربية، وبالدرجة الاولى الفرد في هذه المجتمعات.
وللاسف، إن أبناء الاقليات المفترض ان يساهموا في هذا النقاش بالروح الربيعية اكثر من سواهم، كونهم الاكثر مصلحة في التعددية، ما زالت تعوقهم بنى متخشبة، وجمل استفزازية من النوع الذي سمعناه مؤخرا حول ان نظام العفن البعثي في سوريا هو الاقرب الى الديموقراطية. المشكلة في مقولة استفزازية كهذه ان صاحبها ما زال يعتقد ان الاسلام هو شدّة وتزول في هذه المنطقة، مثلما ان الليبراليين يعتبرون ان الاسلاميين هم غيمة صيف عابرة. والحال اننا في الحالتين امام انماط في التفكير مخالفة لمعاني الربيع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.