لو لم يحصل انقلاب العسكر عام 1952، أو لو نجحت السياسة بإعادة العسكر إلى ثكناتهم واستؤنفت الحياة النيابية سريعاً بعدها، لكان الإخوان المسلمون انتزعوا الأكثريّة النيابية من الوفد والأحزاب الأخرى التي كانت استهلكت نفسها في العقد السابق، ولكان الإخوان احتفظوا بهذه الأكثريّة لردح من الزمن، يطول أو يقصر، لكن له أجل وينقضي، هذا إن قدّر للحياة النيابيّة أن تستمرّ، أي إذا ما أتيح لقانون تداول السلطة أن يفعل فعله في نهاية المطاف.
كذلك الأمر، لو استدامت التجربة البرلمانيّة السوريّة، المستأنفة عام 1954، بعد الإطاحة بديكتاتوريّة أديب الشيشكلي (التي تبقى مزحة مقارنة بديكتاتوريّة آل الأسد) والمحتجبة عام 1958، مع قيام دولة الوحدة وما بعدها، لكانت جماعة الإخوان تقدّمت على حساب الأحزاب التقليديّة (الكتلة الوطنيّة وحزب الشعب) وبإزاء الأحزاب القوميّة واليساريّة، ولكانت أمام الجماعة فرصة للمشاركة في ائتلافات متبدّلة ومتنوّعة.
أكثر من ذلك، لو أتيح التطوّران المجتمعيّ والمؤسّسي، لكان الإرتباط عضويّاً بين تطوّر مسار الديموقراطيّة البرلمانيّة في مصر وسوريا وتطوّر العلاقة بين الإسلاميين والقوى الأخرى، والأرجح أنّ دوراً أكثر فاعليّة للإخوان المسلمين في البلدين يومها كان سيوسّع نطاق الحلف الإسلاميّ في مواجهة التمدّد السوفياتيّ في المنطقة، وبالتالي تقاطعاً استراتيجياً مع الغرب في الحرب الباردة، بالشكل الذي يوجد حكماً شروطاً أكثر واقعية لخدمة القضايا القومية، من فلسطين إلى تمويل السدّ إلى قناة السويس إلى ثورة الجزائر إلى ثورة اليمن.
أيضاً وأيضاً، لو أتيح لـالجماعة هذا التطوّر المجتمعيّ والمؤسّسي الإيجابيّ حيالها، والتفاعليّ معها، لما كان في الجماعة حاجة الى قياس خطواتها على الأردوغانية سلباً وإيجاباً. ففي الخمسينيات فرض جمال عبد الناصر معادلة مزدوجة: إلغاء المحاكم الطائفية والمجالس المليّة من ناحية، وتأميم القضاء لكن على قاعدة أسلمته العامة الجزئية من ناحية ثانية. هذه المعادلة ما كانت لتكون مشابهة لو حصد الإخوان الأكثرية النيابية في مصر الخمسينيات، والأرجح أنّ التعدّدية الكوزموبوليتية التي كانت تعيشها مصر يومها، أي ليس المسلمين والأقباط فقط، بل الشوام واليهود واليونانيون والطليان أيضاً، كانت استمرّت، أو على الأقل، ما كانت لتندثر!
بطبيعة الحال، يمكن الإحتجاج بسهولة على منطق الـلو أنّ والقول انّ لا مكان له في النظر إلى التاريخ أو في استقاء العبر للأيام الآتية. لكن ذلك غير صحيح. الـلو أنّ لازمة أيّ تفرّس جدّي في الخيارات التاريخيّة، ومن دونها يغيب هامش.. الحرّية!
وفي ما يتّصل بالفرضية المطروحة، لا يمكن الإمتناع في أعقاب إذاعة النتائج النهائية لأوّل انتخابات برلمانيّة حرّة تجري في مصر منذ أيّام الملك فاروق، عن الذهاب في هذا الإتجاه، والتفكير في أنّ هذه النتائج تأخّرت إذاعتها ستين عاماً!
لا يعني ذلك أنّ الإخوان احتفظوا بالأكثريّة الشعبية ستين عاماً بما يبني قاعدة مظلوميّة مزمنة. كما لا يعني ذلك التهافت إلى محاكمة سهلة، ليبراليّة أو إخوانيّة للتجربة الناصريّة.
وما حصل في الخمسينيات أنّ جمال عبد الناصر ألغى الحياة النيابية ثم قمع جماعة الإخوان، لكنه نجح في المقابل في انتزاع شرعيّة الهالة الجماهيريّة.
وبعد انقضاء التجربة الناصرية، لم تعد أحزاب ما قبل 23 يوليو 1952 إلا بشكل رمزيّ، أما جماعة الإخوان فاستعادت شعبيتها سريعاً، وأمّنت نفاذاً إلى الحياة النيابية المستعادة بدورها مع السادات ومبارك انما بشكل جزئيّ. لكن هذا الحضور الشعبيّ والنقابيّ الكبير، والنيابيّ الواضح رغم استمرار قرار الحظر، لم يؤمّن لـالجماعة دوراً أساسيّاً في صناعة التغيير، حتى في الإتجاه المحافظ اجتماعياً أو الشعبويّ سياسياً الذي تصبو اليه الجماعة، ولم يأت الإنتصار الإنتخابيّ لها إلا في أعقاب ثورة شعبيّة لم تكن الجماعة نفسها محوره، وكان الجيل الجديد غير المؤطّر في التزامات أيديولوجية محدّدة، صاحب دور رياديّ فيه، وهو دور خلق أوهاماً طائلة بدوره.
أي أنّه قبل ثورة 25 يناير من العام الماضي، كان لـالإخوان حجم شعبيّ كبير لا يعرفون كيفية ترجمته إلى ثقل سياسيّ بالقدر نفسه.
وبعد ثورة 25 يناير، صار لهم تمثيل نيابيّ أكبر من حجمهم الشعبي، على ضخامة الأخير، وهو ما لم يتأمّن إلا نتيجة: أولاً، ثورة شعبية مدنية لم يكونوا المركز فيها. ثانياً، عدم مشاركة الفصيل العلمانيّ الأكبر في مصر في الإنتخابات، أو بمعنى آخر الحزب الوطنيّ المنحل، أو ما يعرف بـالفلول، وثالثاً، مفارقة العصر، حيث أنّ من هو ممثل، عرضاً، في البرلمان الجديد، يطالب بالتسريع في تسليم العسكر للسلطة، في حين يتعامل الإخوان مع الأمر ببراغماتية شديدة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.