الديموقراطيّة العدديّة ليست من الديموقراطيّة في شيء. فالعدد لا يمكنه أن يُصاغ في شعب ولا في مواطنين، في حين أنّ الديموقراطيّة تتخذ من مبدأ السيادة الشعبية المصدر الأساسي لنظام التقرير السياسيّ، مثلما هي تتخذ من مبدأ مشاركة المواطنين الإطار الناظم لنمط حياتها السياسيّة.
بيدَ أنّ الديموقراطيّة لا يسعها مع ذلك الإفلات من قانون العدد. فكما أنّ الديموقراطيّة العددية ليست من الديموقراطيّة في شيء، فإنّه لا ديموقراطيّة إلا على قاعدة حُسن الإحتكام إلى قانون العدد، وليس أبداً المكابرة عليه، أو تزويره، مثلما هو شائع في الخطاب الطوائفيّ اللبنانيّ، حيث نجد أرباب الطوائف، بين من ينسب إلى نفسه حجماً أكبر من حجمه، من دون الرجوع إلى أي إحصاء مدقّق، وبين من يدّعي أنّه لا يحسبها بـالعدد، في حين أنّه يهرع للاحتجاج به ما أن تضعف حجّته في أي سجال، وبين من يطالب باحتساب عدده عددين وإلا تضيع خصوصيّته ويستبدّ به القلق الوجودي. كلّها مظاهر للإنحراف نفسه عن أساسيّات الديموقراطيّة: فهذه الأخيرة هي مسعى مؤسسيّ وتشاركيّ دائم للموازنة بين قانون العدد وقانون التعدّد، لكنّ من شروطها أن تسمّي العدد عدداً والتعدّد تعدّداً. أمّا الرياء والخبث في هذا المجال فلا ينفع أحداً.
هناك خبث كثير في السجال السياسيّ اللبناني، بيدَ أن الخبث شيء والذكاء أو الدهاء شيء مختلف تماماً. الخبث في السجال بين الطوائف يعني الإختباء وراء مصطلحات سياسية حديثة على سبيل المناكفة ليسَ إلا. والأسوأ من ذلك، بل إنّه الغباء بعينه أن تتم دعوة ذلك شكلاً من أشكال التفاوض الضمنيّ بين الجماعات المختلفة، وخير ما يردّ به على هذه الذريعة المتهافتة هو التذكير بأنّ التفاوض الضمنيّ ليسَ تفاوضاً، بل شكل من أشكال معاندة العصبيات المتدهورة حالتها في سلّم التطوّر السياسيّ أمام منعطفات قد تضطرها إلى تحديث البنى التي تتحرّك في إطارها.
وهكذا، فإنّ الجدل حول قانون الإنتخاب لم يزل منذ انتهاء الحرب الأهليّة وإلى اليوم شاهداً على انكماش خطير في الخطاب السياسيّ اللبنانيّ، وعلى الصلة العضويّة بين الرياء من جهة وبين العنف من جهة أخرى. صحيح أنّ بعض التكاذب ضروريّ بين الطوائف أحياناً، لكنّ الرياء المعجون بالخبث غير ضروريّ البتّة، أيّاً كان الطرف الذي يعتمده منبراً أو وسيلة، سواء كان في موقع الغلبة أو في موقع الإستبعاد.
والرياء، في قانون الإنتخاب، ارتدى منذ عشرين عاماً حلّتين: واحدة تقول بقانون إنتخاب يعتمد حسن التمثيل، وأخرى تردّ بقانون انتخاب يرسّخ الوحدة الوطنيّة.
الرياء الأوّل وصل إلى نتيجته المنطقيّة: على كل طائفة أن تنتخب نوّابها، أي أن تختار عددها البرلمانيّ، من دون مراجعة نسب توزيع العدد البرلمانيّ قبل إقرار هذا القانون وبعده. ما يوجد نظاماً تكريسيّاً للعطب الرئيسيّ في النظام اللبنانيّ: فبعد أن تطرّف هذا النظام في ايصال نائب بألفي صوت وآخر بمئة ألف صوت ليمارسا المهام التشريعية نفسها في مجلس النواب، صرنا إلى من ينظّر أن يكون هناك مواطن حظّه كحظّ ثلاثة مواطنين من طائفة أخرى، وإلا فلا يمكن لصاحبنا أن يشعر بأنّه في مأمن في هذا الشرق، خصوصاً في ظلّ الربيع!
والرياء الثاني تكشّف دورة بعد دورة عن غياب المنطق: عنده أنّ الوحدة الوطنيّة لا تكون إلا بأن تنتخب طائفة نوّاب طائفة أخرى، في ما يذكّر بـحق الليلة الأولى في أيّام المقاطعجية، وهذا الرياء خطير للغاية على الكيان اللبنانيّ. صحيح أنّه لا يعطي الحقّ للرياء الأوّل، حيث كل طائفة تنتخب نوّابها، لكنّه يمكن أن يعطي الحق لما هو أخطر بالنسبة إلى الكيان اللبنانيّ: تفكيكه.
والحال أنّه، دون القفز رأساً إلى تفكيك هذا الكيان من جهة، بموجب أحد الرياءين المشار إليهما، فإنّه لا بدّ من اللفت إلى المعادلة الملكة: قانون العدد لا يمكن أن تعدّل سطوته في أي تركيبة ديموقراطيّة إلا بإبراز قانون المكان، فالموازين الديموغرافيّة لا يعتدل تأثيرها إلا بإبراز موازين الجغرافيا السكّانية، وليس الخبث القائم على قاعدة تزوير العدد في أشكالها التي صارت معروفة ومجترّة في الخطاب الطوائفيّ اللبنانيّ. قانون المكان يمكن أن يعني في الإنتخابات مثلاً اعتماد الدائرة الفرديّة، ويمكنه أن يعني اعادة النظر في التقسيم الإداريّ، وهذه من مقاصد اتفاق الطائف، وهو ما يتطلّب قبل ذلك لامركزيّة حقيقيّة.
بيدَ أنّ الخوف من قانون العدد هو نفسه الخوف من قانون المكان ومن قانون التعدّد، أي من القواعد الثلاث للذهنية الديموقراطيّة السليمة، وكلّه تدليل على رُهاب الديموقراطيّة المرتفع منسوبه هذه الأيّام، في الديموقراطيّة الطائفية اللبنانيّة التي تشعر في الوقت نفسه باستثنائيتها في عالمها العربيّ، أوّلاً لأنّها الديموقراطيّة الوحيدة تاريخياً فيه، على علاّتها وتشوّهاتها البنيوية، وثانياً لأنّها الديموقراطيّة المتخلّفة عن الربيع الديموقراطيّ العربيّ الكبير، على علاّته وتشوّهاته البنيوية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.