عندما يحاجج الأقلّوي الظلامي دفاعاً عن منطق تحالف الأقليّات، تراه يستعين رأساً بـالنموذج العراقيّ. لكن ما الذي يقوله بالتحديد؟ يقول إنّ المسيحيين هناك كانوا على ما يُرام في ظلّ استبداد صدّام حسين، وأنّها ساءت كثيراً بعد سقوط صدّام. إنّها الثغرة المنطقية الأولى: فـالأقلّوي الظلاميّ يعتبرها ذريعة مثلى لمشايعة الإستبداد، في حين أنّه إذا اعتمدنا مقولاته نفسها، مع أنّها لا تعكس الواقع بشكل نزيه، فهذا يعني أنّ عدم مشاركة المسيحيين في إسقاط نظام صدّام حسين، وتفرّدهم بـالما لا يُرام، سرعان ما ارتدّ عليهم سلباً بعد سقوط الإستبداد الصدّامي. الأقلويّ الظلاميّ يحاجج حقيقة ضدّ نفسه!
لكن المدهش حقّاً في هذا المجال أنّ الأقلّوي الظلاميّ يستنتج من هذا النموذج العراقي ما يفيد تأجيج مشاعر معاداة أهل السنّة، أو اللاسنيّة، مع أنّ صدّام حسين محسوب في نهاية المطاف على السنيّة، في حين أنّ عراق ما بعد صدّام حسين هو عراق الغلبة المذهبية الشيعية، التي وصلت مؤخّراً إلى أبعاد مهدّدة لكل منطق زرع الديموقراطيّة في أرض السواد. هنا أيضاً، يرتد منطق الأقلوي الظلامي تهفيتاً لأسانيده!
وأغرب من ذلك، أيضاً وأيضاً، أنّ الأقلويّ الظلاميّ يتحدّث عن أقليّات تحاربها الجماعات التكفيريّة، ويتذاكى فيقول إنّها لا تمثّل كل السنّة بل بعض السنّة. لكن لنتابع منطق التذاكي هذا: فهذه الجماعات التكفيريّة إمّا أن تمثّل معظم السنّة أو أقليّة في السنّة. إذا كانت تمثّل معظم السنّة فهذا يعني أنّه ينبغي التحالف مع أقليّة السنّة التي تصير بذلك كل الوسطيين والمعتدلين والليبراليين والتقدميين من الدائرة السنيّة، أي كامل خارطة الربيع العربي! وإذا كانت تمثّل أقلية في السنّة فيعني ذلك أنّها معنية أيضاً، كجماعات تكفيريّة، بالإلتحاق بين أقليّات، وعندها يصبح الإشكال، بين أقليّات وأخرى، هذه تستعين بالآلة الإستبداديّة وتلك تستعين بآلة الإرهاب!
النقطة الرابعة: الجماعات التكفيريّة يفترض أن تكون أقليّات هي الأخرى، وفقاً لتعريفات صاحبنا الأقلويّ الظلاميّ، لكنه مع ذلك لا يقدّمها كذلك. في المقابل هو يعتبر الطوائف المسيحية أقليّات والمذاهب الإسلاميّة غير السنيّة أقليّات. حسناً، لكن ما هو المعيار؟ كي يجري اعتبار الشيعة أقليّة في العالم الإسلاميّ يلزم اعتماد مقياس عددي صرف من جهة، وإطار جغرافيّ فضفاض من جهة ثانية، يمتد من اندونيسيا حتى المحيط الأطلسيّ. أمّا لو كان المقياس هو الشرق الأوسط، لاعتدلت النظرة كثيراً. هناك أربعة بلدان كبيرة في هذا الشرق الأوسط: مصر والعراق وإيران وتركيا. في مصر وتركيا، الأكثرية سنية. في العراق وإيران، الأكثرية شيعية. إذاً لا يمكن إسقاط مقولة الأقليّات على هذا النحو الإطلاقيّ التعسّفي على المشكلة المذهبية الحادّة التي يعيشها الشرق الأوسط بين السنّة والشيعة، والتي اتخذت شكلاً تاريخياً استقطابياً مزمناً منذ مرحلة الصراع بين الدولتين العثمانية والصفوية.
النقطة الخامسة: يعتمد الأقلويّ الظلاميّ من حيث يدري أو لا يدري على تراث مفاضلة استشراقية بين السنّة والشيعة. هذا المستشرق يصوّت للسنّة، وذاك يصوّت للشيعة. وغالباً ما كان السؤال الإستشراقي: أي الفرقتين أقرب إلى المسيحية العابرة للتاريخ، وأي الفرقتين أقرب إلى الحضارة الغربية الحديثة. الأقلويّ الظلاميّ هو إذاً منفعل بمفاضلات استشراقية، تسلّلت إليه من خلال المعتمد في الثقافة الطائفية الشفهية. لكن السؤال يبقى: إذا كان المستشرقون ينفصمون بين من يفضّل الشيعة (كوربان) وبين من يفضّل السنَة (لاوست) وبين من يفضّل المعتزلة (غولدتسيهر) وبين من يفضّل المتصوّفة (ماسينيون)، وكلّ ذلك تبعاً لسؤال من الأقرب إلى جوهر المسيحيّة (أو اليهودية) من جهة، وإلى منطق الحداثة، فما هو سؤال الأقلويّ الظلاميّ، الذي لا يمكن أن يعنيه جوهر أي دين سماوي، ما دام يؤيد مجازر ضدّ الإنسانية، وما دام يبرز خوفاً لا خوف بعده بإزاء كل ما من شأنه التذكير بالحداثة الديموقراطيّة؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.