8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الانتخابات التونسية: هذا ما جناه قمع حقوق الإنسان باسم حقوق المرأة

الفوز الذي حقّقته حركة النهضة ذات الإتجاه الإسلاميّ في الانتخابات التأسيسيّة التونسيّة هو بكل المقاييس حدث مفصليّ يدشّن العام الثانيّ من الربيع العربيّ الكبير، مثلما كانت تونس سبّاقة في تدشين العام الأوّل منه من خلال شرارة الغضب التي أشعلها البائع المتجوّل الأيقونة محمد البوعزيزي في 17 كانون الأوّل 2010.
وإذا كانت الشرارة البوعزيزيّة قد ساهمت في صبغ العام الأوّل من الربيع العربيّ الكبير بألوان من الرومانسيّة، تاركة المجال كي يسترسل كل مشارك في المخاض الحيويّ في الإسترسال بأحلام ورديّة عن الغدّ الآتي، فلنا أن نأمل بأن يؤدّي فوز حركة النهضة لإعادة الإعتبار إلى جادّة الواقع، خصوصاً وأنّ كل المؤشّرات تدلّ أنّ العام الثاني من الربيع العربي سيكون عام التناقضات الحيويّة منها وغير الحيويّة، ولا بأس هنا لو استعرنا من ماوتسي تونغ قولاً في غير سياقه وردّدنا حكمته الجدليّة: فلتتفتّح مئة وردة!.
فمن المستغرب حقّاً أن يتفاجأ المرء بنتيجة الديموقراطيّة الجنينيّة في هذا البلد الذي قُهِرت فيه حقوق الإنسان، رجلاً وامرأة، بإسم حقوق المرأة والشعارات الحداثويّة، وكانت زيارة دور العبادة فيه سبباً كافياً للاستدعاء إلى التحقيق.
طبعاًَ الباب الوحيد الممكن للإندهاش العمليّ يتّصل بتمكّن حركة النهضة في فترة قياسية نسبياً من إعادة بناء هيكليّتها وتيّارها بعد عقود من العمل الإستئصاليّ الأمنيّ المتواصل ضدّها. وفي هذا الجانب بالذات، يختلف الأمر تماماً عن الساحة المصريّة، حيث لم يمنع تصنيف حركة الإخوان المسلمين كجماعة محظورة من أن يكون لها وجود أساسيّ في صلب الحياة البرلمانية والنقابية والقضائيّة والإعلاميّة على امتداد العقود الماضية.
كذلك، فـحركة النهضة التونسيّة يمكن تصنيفها على نحو إجماليّ بأنها متفرّعة من المدرسة الإخوانيّة، إلا أنّها حرصت منذ الأساس على تمييز نفسها في إطار الحركة الإسلاميّة الإخوانية والعربيّة، ولطالما شدّدت على العناصر الثلاثة لتميّزها، أي انتسابها إلى الإسلام التونسيّ التقليديّ المؤسس على المذهب الفقهي المالكي وعلى التجربة التاريخية لجامع الزيتونة، والتعاطي النقديّ مع الأفكار الصحويّة والإصلاحيّة الواردة من المشرق العربيّ، والتماس مع الفكر الأوروبيّ الحديث. وكان على حركة النهضة أن تصطدم في مرحلة أولى بالمشايخ التقليديين في جامع الزيتونة، وأن تصطدم في مرحلة ثانية مع الأفكار الإنفصاليّة عن المجتمع والمحرّضة عليه، تكفيريّة كانت أو تبرئيّة أو استعلائية، وأن تصطدم ثالثاً مع الذين ذهبوا بعيداً في التأثّر بـلاهوت التحرير المسيحيّ فخرجوا ينادون بإنشاء اليسار الإسلاميّ. وبالمحصّلة، استطاعت النهضة، وتحديداً عقلها المفكّر راشد الغنوشي، الوصول إلى منسوب لا بأس به من عقلنة الخطاب قياساً على التجارب والحركات الأخرى.
في الوقت نفسه، نكبت النهضة نفسها بتأثيرات الثورة الإيرانية والأيديولوجيا الخمينيّة، ولو أنّ أطروحة الغنوشي في الحريّات العامّة في الدولة الإسلامية تبقى مغايرة بالتمام، رغم كل تناقضاتها وإلتباساتها، عن ذلك النموذج الثيوقراطيّ للإمام الخمينيّ في كتابه الحكومة الإسلامية ولاية الفقيه، وفي السنوات الأخيرة ابتعدت مقاربات الغنوشي إلى حد كبير عن الأيديولوجيا الرسميّة المهيمنة في إيران.
في المقابل، توضح مراجعة السيرة الذاتية والحركية لراشد الغنوشي الصادرة تحت عنوان من تجربة الحركة الإسلامية في تونس (لندن، 2001) ان انتقاله من التيّار الناصريّ إلى التيّار الإسلاميّ حدث أثناء إقامته للدراسة في دمشق، وهو عاصر المرحلة التي انتقلت فيها سوريا من بقايا المرحلة الليبرالية حيث كان المجتمع المدني لا يزال قائماً يضجّ حيويّة ونشاطاً وخصوبة إلى مرحلة احتوى فيها حكم البعث المجتمع كله ابتداء من رأس الهرم بالسيطرة على الجيش والشرطة. لا شكّ في أنّ التجربة السورية المريرة، تفاعلت مع التجربة التونسية المريرة أيضاً، في ذهن الغنوشي والنهضة، في إتجاه التأصيل لليبرالية إسلاميّة لم تستكمل شروطها بعد.
هذا ولا بدّ من الإعتراف بأنّ العلمانيين كما الإسلاميين لم يقطعوا بعد بالشكل المطلوب مع منظومة الإستبداد العقلية والقيميّة، لا في تونس ولا في سواها. فالعلمانيّون لم ينجزوا بعد نقداً ذاتياً حقيقياً للتحرّر من تبرير الإستبداد بحجّة أنّه حاجز منيع يحول دون تمدّد الأصوليّة، كما أنّ الإسلاميين لم ينجزوا نقداً ذاتيّاً، يُفترض ان يكون أكثر ضراوة، ويتعلّق بمرحلة كانوا يُقمَعون فيها أشدّ القمع، لكنهم كانوا يطالبون في الوقت نفسه بالإجهاز على ما تبقى من حريّات قليلة، عامة أو خاصّة.
العلمانيّة العربيّة لم تقطع بعد بشكل منهجيّ ونهائيّ وحازم مع انتظارات المستبدّ المستنير الذي يبدّد الظلمات إنطلاقاً من رأس الدولة وأجهزتها. والإسلامويّة العربيّة لم تقطع هي الأخرى، مع انتظارات المستبدّ العادل الذي يبدّد المظالم انطلاقاً من رأس الدولة وأجهزتها. إنّها الإشكالية الرئيسية التي ستطرح على الربيع العربيّ في عامه الثاني الذي بدأ للتوّ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00