8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أطلس الأقليّات النافذة التي يحتاجها الوعي العربي للتصالح مع التعددية

قد تصحّ في الربيع العربيّ صفتان متناقضتان تماماً.
فهو من الناحية الأولى ربيع خديج، بمعنى المولود قبل أوانه. فربيع شرق أوروبا نهاية الثمانينيات سبقته مرحلة طويلة من التهيئة الفكرية والمراكمة الكفاحيّة، ولا يمكن الحديث عن الحدّ الأدنى من هذا في العقود العربية المنصرمة.
لكنه من الناحية المقابلة ربيع متأخّر للغاية. فـالمومياقراطيّات العربية لم تفتقد فقط الشرعية بالمعيار الدستوريّ الديموقراطيّ كشرعية إنبثاق عن الإرادة الشعبية في إطار مؤسساتيّ وتداوليّ. صارت أيضاً تفتقد في العقود الثلاثة الأخيرة الشرعيّة بالمعايير غير الدستوريّة، فلا تحتكم إلى شرعيّة تراثيّة (نموذج المستبد العادل) ولا إلى شرعيّة الهالة (نموذج المستبد الكاريزماتيّ المجسّد للأمّة الثائرة على نفسها وفي وجه الإستعمار) ولا إلى شرعية المشروع النهضويّ (نموذج المستبد المستنير).
وهذا يعني أنّ الربيع كان ضروريّاً منذ عقود، وأنّه في مكان ما حدث بعد أن فات الميعاد، وأنّه ما زال يحمل في جزء أساسيّ منه صورة ومثال تلك الممارسات التحنيطية للعقل والمعاش العربيين في ظلّ المومياقراطيّات البائدة أو المحتضرة،
وقد جاءت القضايا المتصلة بأوضاع ومستقبل الأقليّات في ظلّ الربيع العربيّ، لتذكّرنا بالصفتين المتناقضتين للربيع العربيّ كربيع خديج من ناحية، ومتأخر بعد أن فات الميعاد من ناحية أخرى. فلم يظهر هنا أنّ الربيعيين العرب كانوا متحضرين بما فيه الكفاية للإقتراب بنقديّة، ومن دون خوف، من هذه القضايا، وطغت بدلاً من ذلك مقاربتان لموضوع الأقليّات بالشكل المعادي للربيع العربيّ: المقاربة على أساس التقوقع والإنغلاق كلّ في الغيتو الذي من نصيبه. والمقاربة على أساس خلط الحابل بالنابل، أي خلط الأقليّات بعضها ببعض، لا همّ إذا كانت أقليات غير مسلمة أو مسلمة على غير مذهب الأكثريّة، وإذا كانت أقليّات في موقع الغلبة أو مغلوبة على أمرها، وهذا مضمون تحالف الأقليّات، أي القضاء على خصوصيات كل منها، وتذويبها في أقليّة كبرى تتبع نظام الملالي في إيران ونظام الشبيحة في سوريا. وفي المقابل، لم يجد الربيعيّون العرب ما يواجهون به هذه المقاربات المعادية للتحرّر، إلا التمسّك بالإندماجية المجرّدة، والمواطنيّة المجرّدة، وصولاً إلى الوقوع في التفسير المؤامراتيّ الأمنيّ البحت لكل إثارة صغيرة أو كبيرة لموضوع الأقليّات.
لأجل ذلك، ربّما كنّا في حاجة الى الاطلاع على أطلس الأقليّات الصادر قبل أيّام عن السلسلة الخاصة لـجريدة لوموند، فالمكسب الأوّل هو التنبّه إلى أنّ الأقليّة صارت مفهوماً كونياً أساسيّاً في عالم اليوم، بل أنّ هذا المفهوم يساعدنا على بلورة تصور جديد للكونية الإنسانية، يكون أقلّ تجريداً، وأكثر إحتراماً للتعدّدية وللحقّ في الإختلاف والمغايرة على كل صعيد، وأنّ ثمّة سياقات مختلفة تتحدّد فيها الأكثرية والأقلية بين هذا البلد وذاك، وأنّه في بعض البلدان، مثل أفريقيا جنوب الصحراء يصعب التعرّف على الأكثريّة، إلى درجة الحديث عن شعوب أقلويّة برمّتها، في حين أنّ هناك أشكالاً علمية وقانونية للتمييز حالياً بين قضايا السكّان الأصليين من جهة وقضايا الأقليّات الإثنية من جهة ثانية، كما هناك جدل وأخذ ورد حول ما إذا كانت الأقلية مسألة إحصائية أو لا، ومسألة هويّة، أو مسألة تمييز على أساس سلطويّ وهيمنيّ، وتجري الإشارة إلى النموذج السوريّ (تحديداً مساهمة باربارا لواير في هذا الأطلس) كنموذج تكون فيه أقلية في موقع اضطهاد الأكثرية أو الأقليّات الأخرى.
وتلفت أستاذة القانون في جامعة نانتير دانييل لوشاك إلى أنّ نصوص القانون الدوليّ التي تضمن حقوق الأقليّات لا تعطي أي تعريف للأقليّة، ما يعود بشكل أساسيّ إلى ممانعة من قبل الدول، ما يفتح المجال لـاجتهادات عدة تتراوح بين من يعطي الأولويّة للبعد الموضوعيّ (اختلاف سمات الجماعة المعنية عن سواها) ومن يعطي الأولويّة للبعد الذاتي (الشعور بالإنتماء أو بالتمييز). لكن لوشاك تبرز من ناحية أخرى كيف تدرّج القانون الدوليّ من عدم التطرّق مباشرة إلى موضوع الأقليّات في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان عام 1948 إلى نصوص دولية وإتحادية أوروبية في التسعينات تكرّس الحقوق الثقافية في الإنتماء أو عدم الإنتماء إلى أقليّة، لكنها لا تزال نصوصاً متواضعة إذا ما قورنت بـالإعلان العالميّ للشعوب الإصلية الصادر عن الأمم المتحدة عام 2007، والذي تعتبره المفكرة والروائية كاثرين كليمون طوراً جديداً في مسار الحداثة، كونه يكرّس مبدأ الإستقلالية الذاتية الثقافية والتشريعيّة للسكّان الأصليين ويعيد الإعتبار للثورة التي أحدثها كلود ليفي شتراوس في الوعي الأنثروبولوجي للحياة البشرية، بل ليتكامل ذلك مع النظرة الإيكولوجية لحاضر ومستقبل الحياة على هذا الكوكب.
وقد تولّى جوزيف يعقوب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ليون الكاثوليكية، إعداد المقالة المتصلة بالمسيحيين العرب وأثر الربيع العربيّ، واللافت هنا اعتماده صيغة الربيع العربي الذي شارك المسيحيون فيه بحيوية خصوصاً في مصر وسوريا هو مصدر أمل للمسيحيين العرب لالغاء أسباب قلقهم وإعطائهم كامل المواطنية.
كلام ممتاز سياسياً، لكننا لا نكشف سرّاً إذا قلنا إنّ المشكلة أعقد من ذلك. والمهم قبل كل شيء آخر الإستعانة بـأطلس الأقليّات هذا، أو سواه، كنافذة للفت الإنتباه إلى أنّ مفهوم الأقليّات أساسيّ جدّاً لمقاربة عالمنا المعاصر، شرط الإفلات سواء بسواء من عقدة الخوف من هذا المفهوم، وهي عقدة ينزلق اليها ربيعيو العرب حالياً، أو من الشرّ الذي اسمه تحالف الأقليات أي جامعة عقد الخوف تبريراً لدوام الإستبداد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00