من يذكر الحملة التي أدارها عباقرة الدعاية في النظام الأمنيّ التابع لنظام الوصاية إبان الانتخابات النيابية عام 2000؟
لأسابيع متتالية، صادروا تلفزيون الدولة الرسميّ المفترض أن يكون، وبالأخص عشية الاستحقاق الانتخابي، حياديّاً. وصلوا الليل بالنهار غيّاً وافتراء. قدّمت هذه الحملة زعيم المعارضة آنذاك، أي الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كجامع لكل الشرور: الحوت الآتي بعد انتهاء الحرب لابتلاع سائر الأسماك المتوسّطة والصغيرة. المتآمر على الاقتصاد الوطنيّ من طريق إثقاله بمديونية ضخمة بقصد جعله لقمة سائغة لمشروعي التوطين والتقسيم. باعث الخصخصة والفساد في مواجهة دولة العمّال والفلاحين اللحودية. رجل الثقافة الاقتصادية الريعية من جهة، والنيوليبرالية من جهة ثانية، في مواجهة الثقافة الاقتصادية الإنتاجية التخطيطية. مفسد الذوق العام والعمارة والفنون الجميلة بماله الكثير. رأس حربة الرجعية الملكية في مواجهة الأنظمة الجمهورية التقدّمية الوراثية التي لا تقبل الخنوع، وفي طليعتها نظام البعث العربي الاشتراكي في سوريا. الساعي إلى أسلمة البلاد. إنّما الطريف يومها أنّ حملة الافتراء تعرّضت له بدعوى أنّه لا يريد تشييد جامع الأمين وسط بيروت. أما الأخطر من كل ذلك فإنّه العامل في السرّ والعلن لإعداد البنية التحتية والعمرانية المطلوبة لرهن الاقتصاد اللبناني للاقتصاد الإسرائيلي فور إبرام السلام في المنطقة، والمتّصل خلسة بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. للاستطراد: كانت وحدة المسار والمصير تخوّن يومياً رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وقد وصل الأمر بالسيّد حسن نصر الله في يوم القدس العالمي عام 1997 حدّ الدعوة لخروج خالد اسلامبولي جديد لاغتياله (أي تمثّلاً بقتل الرئيس المصري الراحل أنور السادات). كان هذا طبعاً، قبل أن يستذكر الرئيس السوري بشّار الأسد وفي أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري ملابسات الوفاة الغامضة والمرجّح أن تكون تسميماً لأبي عمار، فقط لأجل الطعن بحق الشعب اللبناني في معرفة من قتل الرئيس الحريري.
أما الحملة التلفزيونية الهزلية للنظام الأمني، فقد واظبت على إعادة ثم إعادة أغنية أريد بها تلخيص مختلف تلاوين الإسفاف الشعبويّ ضدّ المشروع الذي كان يقوده رفيق الحريري، وتصويره على أنّه بمثابة اجتياح مالي للمجتمع المقاوم يتوسّل أغراضه عن طريق شراء الذمم. إنها أغنية مندفع حقه منشتري للفنان اليساريّ خالد الهبر، ومن دررها هذه الكلمات معنا مصاري بتشتري أطخن بلد.
فمن الطرافة بمكان كيف استعان النظام الأمنيّ ببعض الفنانين اليساريين، وفي طليعتهم الفنان زياد الرحباني، للترويج خلال عقد التسعينات إلى أنّ العسكر هو الحل، وأنّ إميل لحود هو المنقذ، وأنّ رفيق الحريري هو ما يلزم إنقاذ البلد منه.
ويمكن العودة إلى مقالة للصحافي الراحل جوزيف سماحة، كتبها في جريدة الحياة اللندنية ونشرت بتاريخ 3 أيار 1993، وتحاول استشراف واقع البلد بعد عشر سنوات، وذلك تحت عنوان لبنان 2003: زياد الرحباني أم رفيق الحريري؟.
يقول سماحة: اسمان يترددان على شفاه اللبنانيين جميعاً: رفيق الحريري وزياد الرحباني. لا سهرة أو جلسة أو نقاش إلا وحضر أحدهما أو الاثنان معاً. لا يدور الحوار بينهما، بل عنهما. ولا يُذكر الواحد مقروناً بالثاني. تخيّم ظلالهما، بتفاوت، على لبنان. خطّان متوازيان في الشكل. يريد الأول، كما يقول مريدوه، إنهاض الشعب وإعمار الوطن وإحياء الدولة. أمّا الثاني فيدّعي، علناً، أن الشعب مهدّد بالغرق جارفاً معه الدولة والوطن. الحريري تفاؤل، الرحباني تشاؤم، اللبناني تشاؤل!.
إلا أنّ الأخطر من ذلك كيف ينتهي هذا المقال المخصص للمقابلة بين مسرحية بخصوص الكرامة والشعب العنيد لزياد الرحباني وبين خطة إعادة الإعمار لحكومة الرئيس الحريري الأولى. فبعد أن يوازن بين حسابات التشاؤم وحسابات التفاؤل يصل إلى النتيجة: الخطة الحريرية متواضعة وطموحة في الوقت نفسه ومجرّد تداولها والنقاش حولها والردود عليها، دفاعاً أم نقداً، تقود إلى إشاعة جوّ من التفاؤل البهيج.. لكن ثمة خطراً مؤكداً في أن تكون الخطة فقاعة سهلة الانفجار ولا أبشع من مواطن ملوّث ببقايا آماله وطموحاته، ولا أكثر منه عدوانية. لا يعامل من خدعه بصفته المسؤول بل يصب غضبه على من ثقب الفقاعة.
كان هذا تعبير مبكر عن المسوّغ الذي أعطاه الفنّ الأمني لنفسه، أي الإبداعات الموظفة لتدعيم النظام الأمني السوري اللبناني المشترك والدفاع عنه والإيحاء بأنّه ضرورة قصوى خصوصاً بعد الحرب الضروس ولأجل مواجهة الاجتياح المالي. فهذا الفنّ الأمني تطوّع بداية في إشاعة أجواء النكد، مصوّباً على التجاوب الكبير للشارع اللبناني مع التفاؤل في النهوض العمراني والاقتصاديّ الذي مثّله الرئيس الشهيد.
منذ البداية أدرك النظام الأمنيّ أنّ عليه محاربة هذا التفاؤل، وإذا كان النكد هو الشغل الشاغل لـالفنّ الأمني، فكان لا بدّ أن يتطوّع أناس آخرون كمبشّرين بالكارثة الواقعة لا محالة بسبب إعادة الإعمار على الطريقة الحريرية، وكانت ظاهرة النائب نجاح واكيم في عقد التسعينات أبرز من تولّى المهمة، وعاونه فيها النائبان حينذاك زاهر الخطيب وعصام نعمان.
وبالنتيجة، فإن الحملة التلفزيونية الهزلية في آب 200، حملة مندفع حقه منشتري، التي جمعت بين الفنّ الأمني من ناحية، وبين التبشير بالكارثة إذا ما عاد الرئيس الحريري من ناحية ثانية، سرعان ما ارتدت بشكل عكسيّ على أربابها. خذل النظام الأمني في الانتخابات يومها، وبخذلانه كانت التوطئة لنداء مجلس المطارنة الموارنة في أيلول، الذي مهّد بدوره لزوال نظام الوصاية وتحقيق الجلاء.
لكن الحملة كانت أيضاً عيّنة عمّا يمكن وصفه رُهاب الحريرية. يعني الرُهاب هنا الهلع والذعر من ظاهرة وحجم وأفعال ومقاصد ومرامي الرئيس الشهيد وتياره، والتحريض على مسلك الكراهية التحريضية الاستئصالية في مواجهة ما سمي الحريرية، وقدّم على أنّه المشروع الخبيث لـالنيوليبرالية المؤمنة بالشرق أوسطية والساعية إلى الفساد والتوطين.
وإذا كانت الحملة نفسها وصفت إثر تبيان نتائجها العكسية بأنّها حملة غبية، حتى من قبل أركان في النظام الأمنيّ نفسه، إلا أنّ العناصر إيّاها لـرُهاب الحريرية قد جرى تثبيتها، مع السعي لخدمتها بشكل أفضل، خصوصاً عندما فتح المجال ابتداء من محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، إلى الموازاة بين الحرب الثقافية ضدّ حركة الاستقلال الثاني بعامة وضدّ الحريرية بخاصة، وبين الحرب السرّية الاستئصالية لقادة الاستقلال الثاني وفي طليعتهم رفيق الحريري.
رُهاب الحريرية.. بين طبعتين
إنّ رُهاب الحريرية هو تطبيق نموذجي لأسوأ نماذج نظرية المؤامرة. عرف هذا الرُهاب الاستئصاليّ نموذجان: في النموذج الأوّل يتم ربط المؤامرة بشخص واحد، قبل مماته وبعد مماته، فيتحوّل اغتيال الشخص إلى فعل تآمري ليس ضدّه أو ضدّ تيّاره، إنّما ضدّ أخصامه، أي ضدّ محتكري العنف، وضدّ دعاة الاستئصال العنفيّ للحريريّة أنفسهم!! لسان حال الآخذين بهذا النموذج الأول يقول إنّه لولا أنّ اغتيال الحريري يوجّه كتهمة ضدّ النظام الأمنيّ ونظام الوصاية وضدّ حزب الله كان من الممكن التفاخر بهذا الاغتيال وتبنيه بشكل رسميّ وعلنيّ واعتباره اغتيالاً عادلاً، سواء كان اغتيالاً عادلاً بالمطلق (ما دام الرجل أراد تخريب البلاد منذ وصوله وفريقه إلى رئاسة الحكومة عام 1992)، أو كان اغتيالاً عادلاً بشكل استباقي (للحؤول دون التطابق بين وجهتي النظر السنية والمسيحية في القضية السيادية كما حدث عام 2005).
كذلك وجدت عند اللزوم طبعة ثانية لـرُهاب الحريرية. وهذه الطبعة لا تسعى إلى تبرئة الرئيس الشهيد نفسه إنّما إلى توزيع المسؤولية بينه وبين فريق عمله والخبراء حوله. وهنا كان من الطبيعي أن يتركّز التصويب على الرئيس فؤاد السنيورة، بحيث يصل الأمر أحياناً إلى حد جعل الحريرية مؤامرة حاكها هذا الشخص بالذات وأقنع الرئيس الشهيد بها، أو حمله عليها بشكل أو بآخر!!
وكمحاولة للتوفيق بين هاتين الطبعتين دوّن النائب آنذاك نجاح واكيم ما أعدّه جنرالات النظام الأمنيّ من روايات مختلقة في كتابه الأيادي السود الذي جاء عام 1998 كدليل تفسيريّ لخطاب القسم اللحوديّ، وخصوصاً للوعد اللحوديّ بـقطع يد السارق، وجرى زجّ القضاء في مرحلته العضوميّة بهذه الملفات، والإساءة إلى أشخاص آخرين برأتهم المحاكم حتى في أحلك أيام النظام الأمني السوري اللبناني المشترك. إن لم تكن هذه شهادة الزور الحقيقية فما تكون شهادات الزور؟
وإذا كانت هذه الدعاية تلقى آذاناً صاغية في البدء، يوم طنطنت وعود الإصلاح اللحوديّة للإدارة وللأخلاق في البلاد، إلا أنّها ما عادت تقنع أحداً وفي سرعة قياسية، وبالأخص عندما ثبتت البراءة قضائياً حتى في الزمن العضوميّ. كما أنّ توقّف عجلة النمو، والكساد الكبير الذي حدث بين عامي 1998 و2000، أصاب رواية وزير المالية وقتها، أي جورج قرم، في مقتل، فحاول إثر ذلك أن يقدّم عام 2001 صيغة معدّلة لـرُهاب الحريرية من خلال مؤلفه الفرصة الضائعة في الإصلاح المالي في لبنان وعلّل قرم الكتابة يومها بأنها للرد على ما أسماه الفريق الإعماري الذي عاد إلى السلطة بعد أن أوهم جزءاً هاماً من الرأي العام أن حكومة الرئيس الحص، وسياسة وزير المالية بشكل خاص، هي التي كانت مسؤولة عن جموح الوضع الاقتصادي (ص 14).
خلاصات جورج قرم
فإذا كانت الأيادي السود لنجاح واكيم هي الدليل العملي بالشكل الذي تبنّاه النظام الأمنيّ مع وصول العماد إميل لحّود إلى سدّة الرئاسة، فإنّ الفرصة الضائعة لجورج قرم شكّل خارطة الطريق لإعادة الاعتبار إلى نموذج 1998-2000 الذي قامت عليه الانتفاضة الانتخابية في آب 2000. وإعادة الاعتبار هذه تتفرّع في هذا الكتاب إلى مسائل عدّة: أولاً إعادة الاعتبار إلى خطاب القسم اللحودي لما احتواه من قيم عالية حول دولة المؤسسات والقانون والعدالة الضريبية والشفافية في أمور الحكم والمساءلة ومحاكمة الهدر والفساد ولما تضمّنه من تنديد بالمبالغين والمتزلّفين في قضية العلاقات بين لبنان وسوريا. وثانياً، إعادة الاعتبار الى كل هذا العمل الذي قامت به حكومتنا في هذه المدة القصيرة. لكن الأخطر كانت الكيفية التي فسّر بها قرم فشل الخيار اللحودي في الإصلاح المالي والاقتصادي، حيث أعاد المسألة إلى قلّة وعي الرأي العام من جهة، وإلى تشويه الحقائق من قبل الإعلام الحريريّ من ناحية ثانية، ومن هنا لم يكن عجيباً أن يترافق رهاب الحريرية مع رهاب الصحافة ورهاب الإعلام بشكل عام.
فالخلاصة أنّ هامش الحرّية الإعلامية أو ما نعته قرم بـالمناخ الإعلامي العام الذي جعل المعارضة الحريرية معارضة قوية وعنيفة هو الذي فشّل الإصلاح اللحودي. أمّا التوصية فكانت بوجوب تكرار المحاولة، محاولة الإصلاح اللحوديّ للدولة، إنّما على أساس تبديل المعادلة التي تحكم المناخ الإعلامي العام.
بشّار الأسد: الحرب الثقافية الشاملة
إلا أنّ الأحداث كانت قد تسارعت في تلك الفترة بما كان يتجاوز هذه الترسيمة المحلية للصراع بين النظام الأمني التابع للوصاية من ناحية، وبين رفيق الحريري وتياره من ناحية ثانية.
فبالدرجة الأولى هناك المتغيّر السوريّ، مع رحيل الرئيس حافظ الأسد وتوريث نجله بشار. في أيّام الأسد الأب كان النظام السوري يعي حاجته إلى التعايش مع المشروع الحريري، إنّما على قاعدة تخصيصه بالاقتصاد دون السياسة من ناحية، وربطه بمنظومة من الأتاوات من الناحية المالية. كان هناك شعور عند الأسد الأب أن المشروع الحريري خطير، وينبغي أن يبقى تحت المراقبة والسيطرة على الدوام، وأن يبذل الجهد لاستنزافه وإرهاقه تحت هذا السقف. أما الأسد الإبن فكان أقرب إلى أكثر أشكال رهاب الحريرية هلعاً من المشروع، وإنصاتاً إلى دعوات استئصاله، أي أن الخوف من الحريري الذي كان خوفاً مسيطراً عليه في زمن الرئيس حافظ الأسد صار خوفاً غير مسيطر عليه، واستئصالياً بامتياز في زمن الرئيس بشار الأسد. ومن هنا، صار من اللازم إعادة إنتاج رهاب الحريرية بشكل جديد.
ومن ناحية أخرى، فقبل عام 2000، كانت الحرب الثقافية تُخاض من جانب النظام الأمني التابع للوصاية على جبهتين. الجبهة الأولى قضت بمحاربة الحريرية على أساس أنّها تمثّل النيوليبرالية المتوحّشة والرأسمال الريعي الطفيلي كما على أساس أنّها تمثّل خطر الهيمنة السنية على السلطة في لبنان. أما الجبهة الثانية فقضت بمحاربة الأكثرية السيادية في المجتمع المسيحيّ، على أساس أنّ الدعوات إلى السيادة والحرية والاستقلال تحاكي المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، وتكابر في الوقت نفسه على التفويض الأميركي المعطى إلى سوريا لحكم لبنان. أمّا ابتداء من العام 2000، فصارت الحرب الثقافية تخاض بالدرجة الأولى لمنع الالتقاء بين هاتين الجبهتين، أي لمنع الوحدة الإسلامية المسيحية في مواجهة النظام الأمني الذي طرح نفسه فوق الطوائف وفي مواجهة الوصاية السورية التي طرحت نفسها أيضاً فوق الطوائف.
إلا أنّه تبيّن بالممارسة أنّه لا ينفع النظام الأمني كثيراً أن يطرح نفسه فوق الطوائف، وكذلك الوصاية السورية. ذلك أنّه، وبعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من جنوب لبنان في أيار 2000، كان لا بدّ لموضوع حاضر ومستقبل سلاح المقاومة وعلاقته بسلاح الشرعية اللبنانية أن يُطرح نفسه، وأن يُطرح كذلك الأمر مستقبل علاقة الطائفة الشيعية التي صار حزب الله أقوى فيها من أي وقت آخر ببقية الطوائف الأخرى.
من هنا، انتقل منظرو رهاب الحريرية من التعويل على نظام أمني فوق الطوائف إلى التعويل على مقاومة مذهبية فوق الطوائف الأخرى، ولأجل ذلك كان لا بدّ للحرب الثقافية ضدّ الحراك السياديّ اللبناني بشكل عام، وضدّ الحريرية بشكل خاص، أن تسلك مساراً آخر.
جريدة الأخبار: من أجل نظام أمني جديد
فإذا كانت حملة النظام الأمني من خلال تلفزيون لبنان عام 2000، هي عيّنة عن رهاب الحريرية يوم كان النظام الأمني يطرح نفسه فوق الطوائف، وإذا كان كتابا الأيادي السود والفرصة الضائعة من أدبيات تلك المرحلة، فإنّه، وابتداء من بدء الحلّ الاستئصالي للحركة الاستقلالية، مع جريمة العصر المودية بحياة الرئيس الحريري وجرائم الاغتيال الأخرى، صارت الحاجة إلى حرب ثقافية من نوع جديد، حرب ثقافية تكون أكثر قدرة على التسويغ لضرورة أن تكون المقاومة الفئوية المذهبية فوق جميع الطوائف الأخرى في هذا البلد، وعلى ضرورة أن يلتف جميع الممانعين من الطوائف الأخرى حول هذا السلاح الفئوي المذهبي، وأن يمدّوه كلّ بما عنده من حجج وصور وتهيئات. وفي المقابل، ضرورة أن يحتشد الممانعون من الطائفة المتغلّبة وأولئك الآتون من طوائفهم المغلوبة، في مواجهة ما أسماه الصحافي المقاوم ابراهيم الأمين الحريرية الجديدة.
في مقالته بجريدة الأخبار سنة لبنان، استيقاظ الخلايا الحريرية النائمة (الخميس 3 نيسان 2008) يميّز الأمين بين ما يسميه الحريرية الخجولة والحريرية الجديدة. الحريرية الخجولة هي حريرية رفيق الحريري: عاشت سنوات طويلة تحت عباءة الظلام. لم يكن السبب وجود آليات قمع من النوع الذي يدفع مناصر الرئيس رفيق الحريري الى الاختباء. الحريرية الجديدة هي حريرية سعد الحريري: الابن جاء محمولاً على شعارات كان مريدو الأب يكتمونها لوقت طويل في صدورهم. هكذا أسقط الأمين مفهوم التقية على الظاهرة الحريرية نفسها. يتابع الأمين: مثل الحريري الابن رمزاً لخطاب كان الحريري الأب يكتمه في صدره لسنوات طويلة. الحريري الأب هو الباطن والحريري الإبن هو الظاهر!! وضع الأمين هذه النظرية قبل شهر بالتمام على كشف غطاء سلاح المقاومة لنفسه في أزقة بيروت كسلاح فئوي ليس فقط من حيث طبيعته، إنما أيضاً وقبل كل شيء من حيث وجهته.
وفي الأساس ولدت جريدة الأخبار كجريدة رُهاب الحريرية بامتياز، أي جريدة تأخذ الشعلة من النظام الأمني الذي كان يواجه الحريرية الخجولة الباطنية وتواصل حمل هذه الشعلة لإنارة سبيل حزب الله الذي يواجه الحريرية الصريحة الظاهرة.
مع ذلك، يسجّل للأمين في المقال المذكور أنّه أقرّ بواقعة كون تيار المستقبل هو التيار الأكثر حيوية في تاريخ سنة لبنان ما بعد الاستقلال وفي نفيه أن يكون المال هو السبب الرئيسي في جعل العصبية الناشطة وعلى قيد الحياة. في المقابل، سيجهد صحافيّون وكتاب آخرون في هذه الجريدة، والأمين نفسه في أحوال أخرى، إمّا للطعن في الحجم التمثيلي السياسيّ لتيّار المستقبل، وإمّا لاختزال هذه الشعبية في باب المال وحده. أكثر من ذلك فإن الأمين نفسه طلع بنظرية جديدة في مقالة له يوم 16 أيار 2008، ولم تكن الدماء التي ذرفت في غزوة 7 أيّار قد جفّت بعد، وهذه النظرية تقول بأنّ السيد حسن نصر الله هو الشخصية الأكثر شعبية لدى الغالبية السنية العربية، وبالتالي فان تفكيك تيار المستقبل ضروري لاستمرار كسب سنة العالم العربي، كما طلع بنظرية أخرى اعتبرت فيه أنّه من أولى حقوق الممانعين على حزب الله هو عدم ترك بيروت للحريري كتعويض عن غزوها!!.
هذا غيض من فيض ما تحمله صفحات جريدة الأخبار كل يوم من ابتكارات نظرية تعيد تكرار رُهاب الحريرية على الدوام. فهذه الجريدة تفسح بالمجال لكافة هذا الرُهاب:
أولاً: رُهاب الحريرية بداعي حماية المقاومة، أي تقديم الرئيس الشهيد رفيق الحريري على أنّه كان يبيّت المكيدة لـحزب الله وسلاحه، وأنّ الحريرية انكشفت وافتضحت بعد اغتياله، فصارت تقول في العلن مع الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة ما كانت تقوله بالسرّ قبل ذلك، أو ما كانت تشي به، أو ما كان في نيّتها أن تقوله ذات يوم (مقالة ابراهيم الأمين الآنفة الذكر تقدّم مثالاً).
ثانياً: رُهاب الحريرية المندمج مع رُهاب الموارنة أي الربط بين السنية السياسية والمارونية السياسية وإطلاق كل العقد وكل الأحقاد في مواجهتهما. بل هكذا يصير لبنان كلّه مؤامرة، والمؤامرة أعدّها ميشال شيحا وطوّرها رفيق الحريري.
ثالثاً: رُهاب الحريرية من موقع الاسترجاع الهزلي للأدبيات التقدمية لعقد الستينات ضدّ الرجعية العربية وضدّ المملكة العربية السعودية، بل مزج هذه الأدبيات مع مساحيق الإسلاموفوبيا الغربية. وهو ما ينهض به عبقري الممانعة من كاليفورنيا أسعد أبو خليل، والذي ضربت له الأخبار موعداً للافتراء صباح كل سبت. أما الفضائل الأخلاقية لأبي خليل فهي على الشكل التالي: الشماتة بالموتى وبالشهداء تحديداً هي فضيلة، المثقفون الليبراليّون هم مجرّد مرتزقة وهم فوق ذلك وهّابيون، أما التزوير الفاضح في الاستشهاد بالنصوص وفي سرد الروايات فإنّ البروفسور الممانع الغاضب يعتبرها منهجية أكاديمية من نوع جديد!
رابعاً: رُهاب الحريرية من موقع الإسلاموفوبيا الذمية هذه المرة، وهذه ينهض بها بالأساس جان عزيز. الفكرة بسيطة: رُهاب الحريرية هو الشكل المناسب للإفصاح عن اللاسنّية. السنّي خطر على الأقليات، وعلى الأقليات التحالف، مسيحية كانت أم شيعية، وإذا كانت أقلية تمتلك سلاحاً، فلا بأس، بل لا بدّ للأقليات الأخرى أن تواليها، في مواجهة الأخطبوط المالي السنيّ الوهابي، ولا بدّ فوق ذلك من أن يبقى موقع رئاسة الحكومة ضعيفاً، أياً كان من يشغله.
خامساً: رُهاب الحريرية من وجهة نظر النقد الفني المعاصر، وهذه يتولاها بيار أبي صعب. عنده أن دعم المقاومة بات معيار أي عمل فني، وأي نقد لـجهاد البناء على نحو ما فعل طوني شكر هو محرّم، ومسرحيات ربيع مروة تنفث حقداً ضد حزب الله لمجرّد أن هذا الحزب سلب المقاومة من ربيع.
ولا ننسى سادساً رُهاب الحريرية من منطق استراتيجي بالشكل الذي يطل علينا من خلال الظاهرة الأمنية التلفزيونية أنيس نقاش. لكن الطريف في حالة نقاش أنّ الرُهاب يكابر على طبيعته. فصاحب شبكة الأمان الاستراتيجية والضالع في اغتيال شهبور بختيار لا يخاف من شيء على ما يبدو، وهو واثق على الدوام من أنّه في القريب العاجل ستفتح جيوش الممانعة مدائن الغرب، فتغنم وتسبي، وأنّ أحرار الشرق، أي ليبرالييه واستقلالييه، سيبتلعهم المارد الممانع على الطريق، على سبيل الوجبة السريعة.
ومع هذا الممانع يستحق التذكير بشيء من شعر محمود درويش: في كل مئذنة حاو ومغتصب يدعو لأندلس إن حوصرت حلب.
في أي حال ليست جريدة الأخبار فقط مجرّد منتدى يجمع عباقرة الممانعة المصابين بـرُهاب الحريرية على أصنافها، بل هي أيضاً وقبل كلّ شيء جهاز استخباراتي بكل ما للكلمة من معنى. فمشروع إنشاء الجريدة كان في الأساس قراراً حزب اللهياً بعدما حسبها الحزب على النحو التالي: يمكنه الاستفادة من رصيد الانجازات العسكرية الحماسية ومن الامكانات المالية والتكنولوجية التي لديه بقصد تطوير تلفزيون المنار، لكنه لا يمكنه التعويل على جريدة العهد التابعة له. لكن ما حاجة الحزب إلى جريدة؟ ليسَ أبداً لعرض مواقف وآراء تصبّ كلّها في خانة الحرب الثقافية ضدّ حركة الاستقلال الثاني، وليس فقط لغسل تاريخ النظام الأمني السابق، أو التحريض على قيام نظام أمني لاحق، وإنّما وقبل كل شيء، للوصل بين الحرب الثقافية ضدّ حركة الاستقلال الثاني وبين الحرب الأمنية التي يبدو أنّ حزب الله كان ضالعاً بها من الأساس.
وهكذا فإنّ هذه الجريدة، أو ما يسمّى كذلك، وضعت توجهات أساسية منذ البدء: هي أولاً إعفاء نفسها من العرف القائم في لبنان منذ عقود بين الصحف اللبنانية لعدم مهاجمة بعضها بعضاً ولعدم شخصنة الأخذ والرّد داخل الجسم الصحافي، بل إنّها جريدة تقرّر بالدرجة الأولى الترهيب المتواصل وكيل الأكاذيب والتشنيعات ضدّ الصحافيين والإعلاميين في المؤسسات الأخرى، وتقديمهم على أنّهم مرتزقة لمجرّد أنّهم موظفون، كما لو أنّ هؤلاء الصحافيين والإعلاميين كانوا سيفكّرون على طريقة كتاب جريدة الأخبار لو أتيح لهم المال في الوجهة المعاكسة!! هذا، مع التذكير بأنّ الجريدة نشأت على تمويل حزب اللهي إيراني يتجاوز تمويل أي جريدة في لبنان.
ومن هنا، فإنّ جريدة الأخبار أولت جهداً، لتشكيل شبكة خرق للمؤسسات الإعلامية الأخرى، على نحو منهجيّ ومنظم، أي أنّها من هذه الناحية تصرّفت في الحرب الثقافية كما لو كانت هي هي الحرب الأمنية. ويفيد مصدر مطّلع شخصياً على هذه التجربة أنّ الاستراتيجي أنيس نقاش تولاها، مع ما يسمّى شبكة الأمان التي يقودها.
ومن ناحية أخرى، عملت هذه الجريدة وتعمل على أن تكون الحرب الثقافية جزءاً أساسياً من الحرب الأمنية نفسها، وهو ما ظهر بشكل مكشوف في أحداث 7 أيّار، يوم تماهى كلياًً جهاز الجريدة مع جهاز الحزب الغازي لبيروت.
فالغاية عندهم تبرّر الوسيلة، إنّما مع الغاية؟ أنّ تكون الحرب الثقافية متحدة اتحاداً كاملة بالحرب الأمنية، فهدف الحرب الثقافية قبل كل شيء هو مواصلة تهديم إرث الشهداء الذين قتلوا غيلة، للتوصّل إلى تكوين رأي عام فئوي يقول إنّ هؤلاء كان لازم أن يقتلوا، في حين أنّ أرباب الحرب الأمنية نفسها يذرفون بعضاً من دموع التماسيح على الشهداء.
فمتى تعنون هذه الجريدة الصفراء، جريدة حزب الرايات الصفراء، عنوان صفحتها الأولى: نحن تماسيح بلا دموع؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.