مشاعر مختلفة، بل متضاربة، يمكن أن تنتابك وأنت تحاول التقاط صورة فوتوغرافية معبّرة للمقر الرئيسي المحترق لـالحزب الوطني الديموقراطي في القاهرة، سواء حاولت التقاط الصورة من الكورنيش على النيل أو من ناحية المتحف المصري.
فمن جهة، تودّ لو تكون تلك نهاية كلّ الأحزاب المهيمنة الأحادية التي ظلّت تحول عقداً تلو عقد دون التطوّر بإتجاه المشاركة التعدّدية وتداول السلطة وفصل السلطات وسيادة حكم القانون.
إلا أنّك هنا، تعود فتستدرك أنّه على الأقل لم يكن الحزب الحاكم حتى بداية العام الحالي في مصر، مثلما لم يكن التجمع الدستوري الديموقراطي الحاكم قبل وثبة الياسمين في تونس، أحزاباً عقائديّة تسوّغ لديكتاتوريّة بحجج أيديولوجية أساسية، إنّما كانت أحزاباً كاذبة تقول بكل بساطة أنّها تعمل على إعداد مجتمعاتها تربوياً لمرحلة تاريخية مقبلة سيكون بالإمكان فيها إتاحة المجال للمشاركة وتداول السلطة وفصل السلطات وسيادة حكم القانون.
ومن وراء هذا الكذب المتمادي كانت ثمّة صراحة بوّاحة في مكان ما. إذ كاد الحزبان الحاكمان في مصر وتونس أن يعترفا ببطلان شرعيتهما، وما كانا راغبين في التعكيز على ما يقوم مقام الشرعية تلبيساً وتدليساً، من مثل الاستناد الى عقائد الممانعة القومية أو الأصالة الحضارية. كل ما أسند حكمهما المديد كان قناعة متراكمة مع السنين مفادها أن أهل الشوكة القادرين على إزاحتهما هم بكل بساطة غير متوفّرين حالياً ولا بعد حين، لا في الجيل الحالي ولا في الجيل التالي، وأنّ الجماهير عبثاً تنتظر مخلصاً، بل أنّها في أعمّها الغالب لا تنتظر شيئاً وتعيش يوماً بيوم.
وما حدث في نهاية المطاف كان شيئا من هذا القبيل. الجماهير لم تنتظر مخلّصاً، والمخلّص لم يظهر، وأهل الشوكة لم يتبلوروا سياسياً. بقي الخمول الإجتماعيّ من ناحية، وعدم تبلور البديل السياسي من ناحية أخرى، يسيطران على المشهد العام. ومع ذلك.. حدثت ثورتان مدويّتان.. الأولى في أسبقيتها كونها فجّرت صاعق الربيع العربيّ والثانيّة في محوريّتها كونها مصر.
الثورة لم تقم لا في تونس ولا في مصر بعد هزيمة عسكرية جديدة ولا بعد انهيار اقتصاديّ استثنائي جديد ولا بعد جولة جديدة من القمع الإستباقي، وكان عنصر قوّتها هو أنّ ليس لها دافع محدّد، أو سبب محدّد. الثورة اندلعت في نهاية المطاف ليس فقط بعد أن تأخّرت كثيراً، بل أيضاً لأنّها تأخّرت كثيراً، وثمّة إحساس بأنّه كان ينبغي وكان يمكنها أن تندلع وتنتصر قبل اليوم بسنة أو سنتين، بعقد أو عقدين.
الصورة الفوتوغرافية لصورة المقر المحترق لأكبر الأحزاب الأحادية العربية تدخلك في مشاعر متضاربة إذاً: تودّ لو تكون هي عاقبة كل الأحزاب الأحادية، تستدرك بأنّ الأحزاب الأحادية التي تتلبّس عقائد الأصالة والممانعة والعنف تبقى أخطر، كما تستدرك كذلك الأمر، بأنّه بات على أهل تونس ومصر في المرحلة المقبلة، الإعداد لنظام تعدّدية حزبية، وأنّ هذا النظام لا بدّ له من أن يتركز إلى ثنائية إستقطابية، ومن الواضح تماماً أنّ أحدّ القطبين سيكون منبثقاً عن المدرسة الإخوانية، إلا أنّ من غير الواضح من سيضطلع بمهمة تشكيل القطب المقابل: بمعنى آخر، إذا كان التجمع الدستوري في تونس والحزب الوطني في مصر هما من وقفا في العقدين الأخيرين، على طريقتهما، بوجه المدرسة الإخوانية، فمن الذي سيرث هذا الدور، إنّما بشروط مختلفة تماماً، أي بالشروط التي تفضي إلى بناء بديل من المدرسة الإخوانية، يتواجه معها ديموقراطياً ودستورياً، ويؤمّن معها التطوّر بإتجاه المشاركة وتداول السلطة في إطار فصل السلطات وإحترام سيادة القانون وتكريس حقوق الإنسان؟
في مقابل هذه المشاعر المختلفة، والمتضاربة والمضطربة أيضاً، يعود المصريّون فيذكّرونك بأنّ القادة المكروهين لـالحزب الوطني هم في سجن طرة اليوم، ولا يكتم المصريون غيظهم فيقولون إنّ هولاء القامعين والفاسدين يتنعّمون بـالتكييف في زنازينهم.. وهنا، يحدث كثيراً، أكثر من عشرين مرة في اليوم أن تسمع من مواطنين مصريين في مواقع مختلفة قولهم، بأنّهم على الأقل لم يصل هؤلاء القادة المكروهين إلى دمويّة المجازر ضد الإنسانية التي يتألمّون جدّاً للشعب الذي يتعرّض لها اليوم، كما أنّه يمكن استمطار كل اللعنات على القادة المكروهين للحزب الوطنيّ إلا أنّهم لم يتمكنوا من إيجاد تصادم بين الشعب والجيش، مثلما أنّ مشروع التوريث نكبهم، وليس كما هي الحال في مكان آخر، حيث تحقّق التوريث قبل أكثر من عقد وبات يشكّل نكبة ما بعدها نكبة لشعبه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.