8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حالة عزمي بشارة: ممانع لم يستطع تحمّل آخرة الممانعة

يتعافى المفكّر عزمي بشارة ومن على شاشة قناة الجزيرة من كثير من أوهام الممانعة بحيث بات يسمّي الأمور بأسمائها. فالممانعة تقتل، وتفعل ذلك بشكل بشع وحاقد وخسيس. طبعاً، كان من الأفضل لبشارة أن يتحلّى بالنقد الذاتي المطلوب حيالَ سابق مناصرته للممانعة، وهي مناصرة جاءت على حساب صورة أولى محبّبة كانت جسر عبوره الأول إلى أحرار العالم العربيّ، وتتصل بهمّ التوفيق عنده بين ما هو بعد قوميّ وبين ما هو تصوّر ديموقراطيّ. إنّما وبصرف النظر عن إنعدام النقد الذاتيّ الأكثر من ضروريّ في حالة بشارة بالذات، فلا بأس بأن يبادر الليبراليون والتقدميون العرب الذين تلظّّوا بشرور الممانعة وبغيّها بتلك الكلمات الحاسمة التي قالها بشارة في إدانة إرتكابات منظومة الممانعة، ولا حرج كذلك الأمر في التضامن مع بشارة لحظة يندفع أعوان الشرّ للتعريض بموقفه النزيه سياسيّاً وأخلاقياً حيال ما يدمي قلب كلّ عربيّ وكلّ مسلم وكل إنسان في العالم اليوم، خصوصاً وأنّ ما قبل شريط الفتى حمزة الخطيب شيء وما بعده شيء آخر تماماً.
طبعاً، كان بشارة في موقع نقيض لما يقوله اليوم قبل بضع سنوات، واعتلى منبر الحاكم وقتها ليشنّع ضدّ أحرار العرب وتقدمييهم ويقذفهم بتهمة العدمية لأنّهم لا يفهمون كم هي تقدميّة في سرّها أنظمة الممانعة والمقاومة التي تتحدّى المشروع الأميركيّ في المنطقة. إنّما، وكما يكثر أحدهم الترداد في أحد الأفلام المصرية ما علينا. طبعاً، يوم خرجنا نعيب على بشارة ما قاله يومها انهالت ردود شنيعة وصغيرة تجترّ مفردات نظرية المؤامرة البائسة. وليس شماتة أبداً القول، إن هذه الأقلام الخسيسة نفسها التي خرجت وقتها تنتصر لأدب التبرير للحاكم الجائر من على منبره وبين خلانه هي اليوم تشنّع ضدّ عزمي بشارة ومن مثله. ليس في الموضوع شماتة أبداً، لأن بشارة أختار في اللحظة المفصلية أن يكون في الموقع الصحيح، في حين اختار غيره مزبلة التاريخ.
إنّ الأفكار الأيديولوجية جميعها لا تستطيع أبداً التفلّت من إستحقاق التجربة التاريخية تحت شعار أنّ النظرية صح والتطبيق خطأ. في الوقت نفسه، فإنّ أيّاً من الأفكار الأيديولوجية لا يمكنه أن ينقرض بكليّته. وهذا الأمر ينطبق على كل الأفكار التي شغلت جزءاً من العقل العربيّ في تاريخنا الحديث، من القومية إلى الإشتراكية إلى التيار الدينيّ. ولا شكّ في أنّ منظومة الممانعة ولمّا كانت تعتمد في فرع منها على ثيوقراطية دينية في حين تعتمد في فرع آخر على مساحيق متبقية من المزيج القوميّ الإشتراكيّ، فإنّ هذه الأفكار الأيديولوجية مرشّحة تماماً لأن يصدر التاريخ حكماً صارماً بصدّدها. مع ذلك، فإنّه يمكن للمفكّرين الذين ينجحون في لحظة معيّنة في إختيار المركب الأخلاقيّ والسياسيّ الصحيح في إنقاذ بعض من هذه الأفكار، أو بالأحرى إنقاذ ما تطرحه من إشكاليات، وهذا الأمر يسري تماماً على بشارة، كونه بموقفه الصحيح من الأحداث في سوريا أعاد الإعتبار لهمّه الأوّل، الهمّ الذي مسخته الممانعة لاحقاً، والذي كان متصلاً بالتوفيق بين ما هو قوميّ وما هو ديموقراطيّ.
وعلى الرغم من عوامل كثيرة تدعونا للتشاؤم في ما يتصل بأشكال وعي النخب العربية لطبيعة التحدّيات الراهنة، فإنّ مبادرة مثقفين أو مفكّرين لمغادرة مراكب الممانعة بفرعيها، ينبغي الحرص عليه، والدفع بإتجاهه، لا للتبجح أمامهم بفكر ليبراليّ تقدّمي جاهز، وإنّما لمدّ اليد في أكثر من إتجاه بإتجاه إعادة بلورة حقل النقاش المنهجيّ السويّ المنشود للقضايا القومية والحضارية الأساسية التي تعني العرب وسائر شعوب هذه المنطقة.
فمنظومة الممانعة دخلت مسار تحلّلها، ولا قيامة لها من بعده، وإن كانت قادرة على الذهاب بعيداً في الخيار الإنتحاريّ والتخريبيّ والتبديديّ للطاقات والدماء قبل أن تلفظ آخر أنفاسها. في المقابل، فإنّ البديل الحقيقيّ المطلوب عن هذه المنظومة لا يمكن أن يأتي من المعاد المكرّر من إعتدال وضع في مواجهتها، وإنّما بإعادة تأهيل مشروع التنوير في وجه هذه الممانعة، ومشروع التنوير لا يمكن أن يعني إلا مشروع نهوض حضاريّ لمختلف شعوب المنطقة، على أساس وعي ضرورة أن تعيش هذه الشعوب جنباً إلى جنب على أساس حق تقرير المصير لكل شعب، والتقليل قدر الإمكان من النزعات الشوفينية، ومن وثنية الحدود بين الأوطان والدول أيّاً كانت هذه الحدود، ومن الغلوّ والتكفير والتنجيس وكل تقاليد إلغاء الآخر وعدم الإعتراف بتعدّديته إثنية كانت أم مذهبية أم مناطقية أم لغوية أم جنسية. ومشروع التنوير يعني بالتالي سلاماً إقليمياً أكثر شمولية من تسوية الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ وحده، ويتربط كذلك الأمر بتقريب ذات البين بين إيران والبلدان العربية على أساس وقف جنون الإمبريالية الإقليمية الذي يسكن قادة نظام الملالي، في مقابل وقف كل أشكال الحقد والتجنّي على الحضارة الفارسية كما كل أشكال العنصرية المختلطة بالمذهبية.
هذا هو الشرق الذي يمكن بـالتنوير، وليس بالإعتدال وحده، إنقاذه من شرّ الممانعة، وشرّ الممانعة هي الممانعة عندما تتهاوى وتتحلّل. ومن هذه الناحية فإنّ الكلمات الأخيرة لعزمي بشارة ينبغي تثمينها بتجاوز كلّ خلاف سياسيّ أو شخصيّ سابق. إنّما، ما يدعو للضحك هنا، بل للضحك المرير، أنّ الممانعة عندنا ولما نفضت يدها من عزمي بشارة الذي عصى أمرها، أخذت تفتش في مكان ما عن مثقف عضويّ للممانعة، وعند هذه العتبة لم تجد ضالتها إلا في شخص الوزير الذي زيّنت له نفسه وعدسة تيّاره أنّه ملك ملوك الإتصالات في حكومة تصريف الأعمال، فهنيئاً للممانعة بلعبتها الأخيرة.. إنّها من علامات تعجيل السقوط.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00