ما كانت مناخات الإعتدال التي قامت في مواجهة منظومة الممانعة من طبيعة أيديولوجية أو سياسية واحدة، والخلفية التي على أساسها تقاطعت هذه المناخات للنأي بالنفس عن ثقافة الممانعة وسياساتها كانت هي الأخرى متشعّبة ومتقطّعة. لكأن جزءاً من الإعتدال العربيّ أريد به ممانعة لطيفة أو ممانعة واقعية، في حين أنّ الجزء الآخر لم يعرف كيف يجمع بين طرح الممانعة جانباً والإحتفاظ بالرابطة العربية وإغنائها بمعان راقية ومفيدة.
ولئن تفرّعت منظومة الممانعة بين نظامين تسلّطيين ممانعين، أحدهما ثيوقراطيّ والثاني علمانيّ، وبين فصائل مقاومة، الفاعل منها أصوليّ، فإنّ مناخات الإعتدال لم تتشكّل حقيقة في منظومة واحدة، وبقي الإعتدال إسماً مشتركاً لبيئات عديدة ومتناقضة، وبقي واقع حال أنظمة الإعتدال حجّة تستقدمها الممانعة وثقافتها في وجه الديموقراطيين والليبراليين من العرب، كما أنّ الكثير من هؤلاء الديموقراطيين والليبراليين استشعر حرجاً من السياسة ودهاليزها طالما فرض عليه الإنحياز إلى محور إقليميّ دون آخر، وهو ما يعود بشكل أساسيّ إلى يفاعة هذه الليبراليّة العربيّة التي لم تستطع البوح لنفسها بأنّه في السياسة ليس هناك من يختار السياق الذي يفرض الإنحياز في إطاره، وأنّ الإنحياز السياسيّ يتطلّب جرأتين، جرأة النظر إلى مثالب كل من المحورين المتعاركين من جهة، وجرأة إيثار محور دون آخر على الرغم من مثالبه البادية أو الكامنة.
كان المفترض بالديموقراطيين والليبراليين من العرب التحلّي بالحدّ الأدنى من التقليد السياسي للقول إن ما يجمعهم إلى أنظمة الإعتدال في وجه المنظومة المعتدلة عناوين أساسية تأتي في مقدمها مبادرة السلام العربية، والموقف السلبي من التمدّد الإيراني في الإقليم، أضف إلى الرغبة في تعزيز النزعة الكيانية ضمن كل بلد عربي، ويضاف إلى ذلك طبعاً الحسّ الواقعي السياسي في العلاقات الدولية.
وكان المفترض أيضاً أن يتطور التقليد السياسي للديموقراطيين والليبراليين من العرب لتحديد نقاط الإختلاف عن أنظمة الإعتدال، وبالدرجة الأولى التعبير عن رغبة واضحة بإعادة إنتاج هذه الأنظمة لكي تنهض على أسس دستورية وديموقراطية، ولكي يترافق تعزيز النزعة الكيانية ضمن كل بلد عربي مع الإعتراف بالإختلافات الثقافية والإثنية والتداول بأفضل الوسائط لعيش هذه الإختلافات بالتي هي أحسن، وبما يضمن الولوج أكثر فأكثر في إتجاه الحداثة السياسية، وليس في إتجاه التقوقع ضمن الهوية أو الإرتداد إلى البنى الأهلية الأكثر انغلاقاً.
وللأسف، وعلى الرغم من علامات وشطحات في هذا الإتجاه فإنّ الموقف السياسي للديموقراطيين والليبراليين من العرب لم يتطور عشية ربيع الشعوب العربية الحالي في هذا الإتجاه، مثلما بقي جزء كبير من هؤلاء الديموقراطيين والليبراليين واقعاً في حيرة أمام القضايا القومية: قسم يعتقد أنّ عليه التضحية بـالعروبة إذا ما أراد استكمال نقده للممانعة، وقسم يعتقد أنّ عليه أن يتماثل مع بعض من عدّة نصب الممانعة إن أراد مزاحمتها وتحقيق الغلبة عليها.
وهكذا، فإنّ الفكر السياسي الليبرالي العربي الذي نشأ في السنوات العشرين الأخيرة، والذي ازدهر بشكل واضح عشية التدخّل الأميركي في العراق وفي أعقابه ليعود فيخبو بعد ذلك، لم يطوّر نظرة فكرية وإستراتيجية جديدة للصراع العربي - الإسرائيلي، وبقي مرتبطاً بالموضوعة الممانعاتية الأساسية، وهي أنّ التسوية حتى ولو تحققت فإنها انتقال إلى مرحلة أخرى ضمن هذا الصراع، وبالتالي فإنّ هذا الصراع كلّي الفرادة في التاريخ، ومتعالٍ على التاريخ. وهكذا كان الفكر السياسي الليبرالي العربي متحمساً لنقد العمليات الإنتحارية، أو نقد غلواء الجماعة على حساب وجود الفرد أو نقد الخطابيات الإنتصارية من بعد نقد المكابرة أمام الهزائم، أو نقد المصادرة الإيرانية للصراع، أو نقد إرتكاسة الصراع من طور الحركات العلمانية إلى طور الحركات الأصولية، أو نقد الدور التفتيتي للمجتمعات العربية الذي تمارسه منظومة الممانعة وثقافتها. إلا أنّ هذا الفكر السياسي بقي قاصراً، أو متهرّباً عن الذهاب في نقده إلى حيث إنتاج مقاربة تاريخية حضارية شاملة للصراع العربي ـ الإسرائيلي ولسواه من الصراعات والأزمات التي استعرت في المنطقة العربية في مرحلة ما بعد الإستعمار الأوروبي. بكلمة أخرى، لم يستطع الفكر السياسي الليبرالي العربي أن يقول لنا أنّه صراع تاريخي، له زمن نشأة وزمن تطوّر وزمن تأزّم ثم ينتهي. بالتالي لم يقطع هذا الفكر حبل الصرّة الذي يربطه بتلك الشجرة التي تفرّعت عنها ثقافة الممانعة.
وفي المقلب الآخر، خاف الفكر الليبرالي العربي من رابطة العروبة أكثر من اللازم، وبقي منفعلاً من هذه الناحية بالمرارات التي ذاقها من الفكر القومي الشوفيني العربي وتطبيقاته الكارثية. العروبة الديموقراطية الحضارية التي تغنّى بها التقدميون والليبراليون بقيت مجرّد عبارة سجالية. لم تتطوّر إلى حيث وعي الحقيقة المفارقة، وهي أنّه إن كان هناك حزب سياسي إفتراضي يمكن تخيّل قيامه من المحيط إلى الخليج، فإنّه ذاك الذي يمكنه أن يجمع التقدميين والليبراليين من العرب على قاعدة إعطاء الأولوية لقيام الدولة الأمة في كل بلد عربي، وانتاج قراءة تاريخية للصراع العربي - الإسرائيلي، والإنتماء الحاسم إلى الحداثة السياسية، والإعتراف بالإختلافات الثقافية والدينية في كل بلد وعلى إمتداد العالم العربي، وتفعيل المشتركات المصلحية والحضارية العربية إلى أقصى حد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.