لم يعد الحاصل في مصر مجرّد حلقة إضافية تضاف إلى سلسلة الثورات المخملية التي وسّعت حدود ومدارك الديموقراطيّة في العقود الماضية.
في هذا إختلاف بيّن عن الحالة التونسية التي انطلقت منها في الأصل الشرارة. فالانتفاضة التونسية جاءت مشابهة إلى حد كبير لنموذج الثورات المخملية، وخصوصاً من خلال الدور الذي لعبه المجتمع المدنيّ والاتحاد العام للشغل ناهيك عن الانقلاب السريع الحاصل داخل الجهاز البيروقراطيّ والعسكري لصالح ملاقاة الثورة.. بالياسمين.
أما في مصر، فالحالة أكثر تعقيداً، لأنها تقترب من المفهوم الكلاسيكيّ لـالحالة الثورية. والحالة هذه هي مخاض حيويّ لا يسير في إتجاه معروف مسبقاً أو مقدّر على أساس نموذج سابق عليه. كما أنّ الحالة الثورية في تعريفها هي حالة تفرز نقائض إجتماعية وسياسية ليس بمستطاع أي أحد مهما كابر أو إدّعى أن يلفّها تحت عباءة، فكيف الحال إن كان المكابرُ يراقب عن بُعد أو يهمّ بالتسلّل إلى الساحة المصرية؟
وتاريخ الثورات الكبرى يعلّمنا أن الحالة الثورية هي حالة إفراز نقائض سياسية وإجتماعية تتشارك في إزالة القديم لكنها تشتبك باكراً مع بعضها البعض على النظام الجديد المفترض إرساؤه، ولطالما كان يحسم هذا الاشتباك بعنف أكبر من ذاك الذي لزم لتنحية القديم. وهكذا كان الثوار، في كل ثورة، لا يواجهون ما يعتبرونه ثورة مضادة من خلال مواجهة بقايا النظام القديم فقط، إنما كانوا يواجهون بعضهم البعض، من خلال تعيين كل فريق منهم على أنّه يمثّل خطّ الثورة أو روحها، في حين يمثّل الفريق الآخر روح الثورة المضادة المنبعثة داخل الثورة نفسها.
وعلى هذا الأساس، إذا كان ما تشهده مصر حالياً يتجاوز ما عهدناه في نموذج الثورات المخملية (أي ثورات من دون حالات ثورية بالشكل الكلاسيكيّ كما أوضحناه)، فهل انها دخلت في طور الحالة الثورية؟
هذا سؤال برسم الأيام القادمة. إنّما صار من الواضح أنّ المخاض الإنتفاضيّ المصريّ أخذ ينتج ومن اليوم الأوّل وبشكل متزايد إلى الآن نقائض سياسية وإجتماعية تعبّر عن نفسها وتطلعاتها بأشكال مختلفة. فمن جهة هناك من يحرص داخل وخارج مصر على أن تتطوّر الحالة الانتفاضية هذه كحالة إلتحاق مصر بمنظومة الممانعة التي تقودها إيران، وبالتالي إقامة نظام شعبويّ فيها، مستوحى من مآثر محمود أحمدي نجاد وهوغو تشافيز. ومن جهة أخرى، هناك من يحرص داخل وخارج مصر على أن تتطوّر الحالة الانتفاضية كثورة وطنية ديموقراطية، تفضي إلى إرساء نظام دستوريّ قائم على الفصل بين السلطات وتداولها، ومنخرط في المجتمع الديموقراطيّ العالميّ الحرّ، وطليعيّ في قيادة العالم العربيّ نحو نهضة حضارية وقومية جديدة.
وحتى الساعة، فإنّ هذين النقيضين إذ يعبّر عنهما أحياناً بشكل واضح، فإنّه في كثير من الأحيان يختلطان على نحو ملتبس ومحيّر، طالما أنّ الانتفاضة لم تتمكّن بعد من إنجاز مطلبها التنفيذيّ الأوّل.
والحال هذه، كيف السبيل إلى التعاطي، من خارج مصر، ومن موقع ديموقراطيّ، مع هذا الحدث المخاض؟
هذا يعني بشكل أساسيّ الحركة الاستقلالية اللبنانية. ليس على الاستقلاليين اللبنانيين حرج. حجتهم مؤمّنة بوجه مكابرة وصلف الممانعين. أولاً بتثبيت أن تطوّر أي مجتمع عربيّ في إتجاه ديموقراطيّ فيه مصلحة أكيدة للاعتدال العربيّ وللديموقراطيين اللبنانيين بخاصة. ثانياً، بفهم الطبيعة المتناقضة للمخاض الإنتفاضيّ المصريّ، طالما أن الحالة الثورية هي في تعريفها حالة تنتج نقائض، وهذه النقائض تتراوح حالياً بين الشعبوية والفاشية من جهة الممانعين، وبين الديموقراطية والليبرالية من جهة العناصر الأكثر تقدّماً في ميدان التحرير. وثالثاً، بالتأكيد على أنّ مصر هي دولة أمة، ولبنان له أن يتطوّر كذلك باتجاه أن يكون دولة أمّة، وبالتالي فكما ان إقتناع الاستقلاليين اللبنانيين الحريصين على حياد بلدهم الإيجابيّ بإزاء سياسة المحاور بفضيلة الاعتدال ومبادرة السلام كان اقتناعاً مبدئياً ومصلحياً في آن، فإن إنتفاضة الاستقلال اللبنانية لا ترهن نفسها لمصلحة إنتفاضة الديموقراطية في مصر ولا يحدث العكس، إنما كل مسار ديموقراطيّ يتبع سياقه الوطنيّ، ولا يمكن القفز عنوة فوق السياقات. بالتأكيد من الأفضل أن تكون منظومة الاعتدال العربية منظومة ديموقراطية ليبرالية، إلا أنّه لم يكن معقولاً أن يبني الاستقلاليون اللبنانيون سياستهم العربية على هذا التمنيّ في أي يوم من الأيام، وهم في الأساس لا يقبلون المساءلة في هذا الصدد من قبل ممانعين دمويين يتبعون أنظمة فاشية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.