ليسَ هناك شيء إسمه الدعم بالمطلق وعلى بياض للإنتفاضات الجماهيريّة إلا في إدعاءات الشعبويين. ولئن كان أهل كلّ بلد أدرى بشعابه، فإن دعم أبناء البلدان الأخرى لهذه الإنتفاضة أو تلك ينبغي أن ينطلق من رصد إجماليّ للسياق الذي تنشب فيه. وهكذا، وجب أن يختلف الموقف من إنتفاضة شعب مصر بحسب إتضاح مسارها العام. إذ يختلف الأمر لو هي تطورت بإتجاه ضمّ مركز العالم العربيّ إلى محور الممانعة الإيرانيّ الذي يقوده الوليّ الفقيه أو هي تطوّرت على العكس تماماً في إتجاه دستوريّ وديموقراطيّ وإجتماعيّ يعيد إلى مصر دورها المحوريّ الطليعيّ في المنطقة.
وما نقوله هنا ليسَ يخصّ مصر وحدها، فكل الثورات الكبرى في التاريخ كانت تنجب نقائض متعايشة حيناً، ومتناحرة حيناً آخر. فالثورة الفرنسية أنجبت شرعة حقوق الإنسان والمواطن مثلما أنجبت تجربة الإرهاب والمقصلة. والثورة الروسية بدأت ديموقراطية تعدّدية وأنتهت شمولية أحادية. أمّا الثورة الإسلامية الإيرانية التي سارع نظام الملالي مؤخراً إلى نسب الإنتفاضة الراهنة في مصر إليها فقد حملت باكراً معالم الثورة المضادة، فكانت ثورة الكهولة على الشباب، والرجل على المرأة، والإنسان على حقوقه، والأصالة على التحديث، وكانت في المحصلة ثورة معادية تماماً لقيم عصر التنوير.
وفي مصر، ما زال من المبكر الحكم إذا كانت الإنتفاضة الراهنة هي بداية مرحلة ثورية بكل ما للكلمة من معنى، إلا أنّها حتى الآن ما زالت تفرز النقيضين. فمن جهة هناك ما يوحي بأنّ هناك إتجاها ضمنيّا يتوخّى من هذه الإنتفاضة تقريب مصر بصورة ما من محور وثقافة الممانعة التي يقودها نظام الملالي، ومن جهة هناك ما يوحي على العكس من ذلك بأنّ هناك إتجاها حريصا على التمايز قدر الإمكان عن الأوّل، وراغب في أن تكون الإنتفاضة ثورة وطنية ديموقراطية مصرية صميمة، ينبثق عنها نظام دستوريّ تتأمن في إطاره عملية تداول السلطة ويترجم من خلاله مبدأ الفصل بين السلطات وتزدهر على أساسه التعدّدية الحزبية وحريّة الرأي، وهكذا نظام في حال إنبثاقه سيكون متطلعاً إلى الإقتباس الحي من العلم الدستوريّ الغربيّ ومن التقاليد السياسية للحداثة الغربية بالإضافة إلى التقاليد الديموقراطية البرلمانية المصرية المنقطعة منذ بداية الخمسينيات وإلى اليوم. وفي كلّ الحالات، هذا سيبعد مصر أكثر فأكثر عن النماذج التي تحكم البلدان المشمولة بمنظومة الممانعة، والتي لا مكان فيها لا لتعددية حقيقية، ولا لإحترام حقوق الإنسان، بل والتي باتت مرتبطة أكثر فأكثر بثيوقراطية ولاية الفقيه.
وفي هذا الإطار، جاءت التصريحات المتواصلة لقادة نظام الملالي في إيران التي بخّست على الإنتفاضة المصرية حقّها في التطوّر الدستوريّ الديموقراطيّ، وعملت على إدراجها زوراً وبهتاناً في سياق تصدير الثورة الإيرانية، لتشكّل تنبيهاً حقيقياً بوجوب التمييز من الآن فصاعداً بين العناصر التي تفيد المسار الأول (ثورة إلتحاق مصر بمنظومة الممانعة غير الديموقراطية من خلال الذهاب إلى المجهول، أي إلى زعم شرعية ثورية جديدة) وبين العناصر التي تفيد المسار الثاني (ثورة تجديد الإعتدال العربيّ لنفسه من خلال تجديد أو توفير مصادر الشرعية الدستورية في مصر).
وليس من قبيل مجافاة الواقعية القول بأنّ تصريحات القادة الإيرانيين تركت تأثيراً عكسياً على الشارع المصريّ، ليس طبعاً في إتجاه التخلّي عن إنتفاضته الديموقراطيّة، وإنما في إتجاه التأكيد على إطارها الوطنيّ المصريّ، العربيّ التوجّه، الديموقراطيّ والدستوريّ والإجتماعيّ، لأنّ العاقل الذي يريد أن يستأنف الحياة البرلمانية في مصر، وأن ينطلق في انتاج حلول للمعضلات الإقتصادية والإجتماعية، ليسّ يمكنه أن يكرّر في المجتمع المصريّ صنيع حزب الله في لبنان أو حماس في غزّة، كما أنّ من يستشهد تحت يافطة تداول السلطة وحقوق الإنسان في مصر ليسَ يهدي نضاله أبداً لمن يسرق أصوات الناخبين في إيران، ولمن يلف حبل المشنقة على عشرات المعارضين الإيرانيين في الأسبوعين الأخيرين مستفيداً من تركّز الإهتمام العالميّ على مصر.
ثمة إذاً إتجاهان متناقضان تفرزهما الإنتفاضة المصرية، ويسعى أحدهما للإنخراط في الممانعة الإيرانية كما تسعى هذه الأخيرة إلى إبتلاع الحدث المصريّ والواقع المصريّ من خلاله، فيما يسعى الآخر لإعادة انتاج الإعتدال العربي بشروط دستورية ديموقراطية ولتكريس الدولة الأمة المصرية وليس أبداً إضمحلالها في إطار الأمة المبهمة لقوى الممانعة. وهذا لا يعني أنّ قدر التيار الإسلاميّ في مصر أن ينقاد بشكل مباشر إلى المسار الممانعاتي. وهنا التحدّي او بيت القصيد.
فالتيار الإسلاميّ في مصر مفترض فيه أن يدرك السياسات المذهبية لمحور الممانعة الإيرانية، كما مفترض فيه أن يدرك في الأساس أنّ الامور في الشرق الأوسط لها أن تتطور جيو-استراتيجياً في أحد إتجاهين: إما إعادة تشكيل المنطقة على أساس المعادلة الإيرانية الإسرائيلية، سواء كانت تقاسماً موضوعياً أو أكثر من موضوعيّ او كانت تواجهاً خطابياً أو ميدانياً، وإما إعادة تشكيل المنطقة على أساس المعادلة التركية العربية، وهو التحدّي الملقى اليوم على عاتق كل التيارات الفاعلة في الذات العربية، وبالذات التيار الإسلامي، والإخوان منهم على نحو خاص، إنّما الشرط هنا أن يكونوا مستعدين لسلوك درب تحديثي في التنظيم والخطاب والسلوك كذاك الذي يمثله حزب العدالة والتنمية في تركيا.
فالإنتفاضة المصرية لا تتطور في إتجاه ديموقراطيّ باستبعاد التيار الإسلاميّ منها، ولا تتطوّر في هذا الإتجاه أيضاً ببقاء هذا التيار على حاله، وبقاء تواشجه مع رؤى الممانعة الإيرانية على حاله. إنّما التحدّي هو تطوّره كتيار إسلاميّ، في إتجاه ديموقراطيّ محافظ على الطريقة التركية، وفي إتجاه تصوّر عثمانيّ للأوضاع في المنطقة، أي القول بالمعادلة التركية العربية، في مقابل معادلة التقاطع الموضوعيّ بين إيران وإسرائيل، بل أن تحويل المعادلة التركية العربية إلى واقع إقليميّ حيّ، وإلى قالب للتطوّر الديموقراطيّ التحديثيّ لكل بلد في المنطقة، هو وحده القادر على جرّ إيران إلى إعادة النظر بسياساتها الإمبراطوريّة تجاه جوارها العربيّ، كما إلى إعادة خلق تيّار قابل لفكرة التسوية والسلام في إسرائيل.
إنّه التحدّي التاريخيّ: أن يعرف الإعتدال كيف يجدّد نفسه في إتجاه ديموقراطيّ تحديثيّ عام، وفي إتجاه إنخراط التيّارات الإسلامية في إطاره، وعلى أساس تحقيق المعادلة التركية العربية.
وإذا ما خسر العرب هذا التحدّي فإنّ الواقع الشرق أوسطيّ لن يكون أقل من إنبثاق عصر سايكس بيكو إيرانيّ إسرائيليّ شئنا أم أبينا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.