تظهر الانتفاضة الشعبيّة المظفّرة للشعب التونسيّ حقائق أساسيّة منها أنّه من الخطأ الاعتقاد بأنّ زمن الثورات السياسيّة قد ولّى. كذلك تظهر هذه الانتفاضة أنّ نموذج الثورة المخمليّة ما زال الشكل الأساسيّ للتوسّع الديموقراطيّ الليبراليّ باتجاه شرق العالم وجنوبه، وأنّ هذا النموذج قابل للاقتباس عربياً وإسلامياً وإن كانت تعترض ذلك صعوبات وتشويهات بنيوية غير قليلة.
وبهذا المعنى يمكن الافتراض بأنّ المقارنة بين ثورة الأرز اللبنانية وثورة الياسمين التونسية ممكنة، في شروط وحدود معيّنة، وإن كان ينبغي الانتظار بعض الشيء للرؤية بشكل أوضح إلى طبيعة الحدث التونسيّ والمسار الإجماليّ الذي يمكن أن يسلكه في الأسابيع والشهور القديمة. مع ذلك يمكن المجازفة منذ الآن بالقول انّ الحالتين اللبنانية والتونسية هما المحاولتان الرائدتان الوحيدتان في العالم العربيّ لاقتباس نموذج الثورة المخملية، وهو اقتباس جزئيّ منذ البداية في كلتا الحالتين، وتلازمه تشوّهات بنيوية منذ البداية أيضاً، في كلا الحالتين أيضاً.
هذا، ولا يمكن استحضار النموذجين اللبنانيّ، المهدّد بالانقلاب الفاشيّ المتقطّع منذ سنوات، والتونسيّ، المهدّد بالفوضى وبخطورة رمي الطفل مع مياه الغسيل الوسخة، من دون العروج على الثورة المخملية الأكثر جذرية وحداثية من النموذجين اللبنانيّ والتونسيّ، عنينا بها الثورة الخضراء الإيرانيّة المظلومة والمضرّجة بالدماء، والتي هُزِمَت وثبتها الأولى على يد الميليشيات.
وكم هو عجيب، وغريب، ومنفّر، مظهر أولئك الممانعين والظلاميين الذين خرجوا يرحّبون بالحدث التونسيّ، على افتراض أن قيم الاعتدال والجمهورية والعلمانية وحقوق المرأة والدولة الأمّة هي التي تُهزَم، وأنّ راية المقاومة والممانعة والمغالَبة هي التي سوف ترتفع.
فلئن كانت ثورة الياسمين.. والفلّ التونسيّة ثورة ضدّ التسلّط والانغلاق والنظام البوليسيّ وضدّ الفساد والبطالة والإفقار، ومن أجل تداول السلطة وإحياء التقاليد الدستورية والبرلمانية وتكريساً لحقوق الإنسان، فإنّها أيضاً، على ما يحرص المجتمع المدنيّ التونسيّ وقواه الحية والتقدميّة على تأكيده، ثورة الحفاظ على المكتسبات البورقيبية سواء في ما يتعلّق بالهوية الوطنية القائمة على مبدأ الدولة الأمّة، أو في ما يتعلّق بالنظم التشريعيّة العلمانية، أو في ما يتعلّق بالاعتدال السابق على كل اعتدال عربيّ آخر، في ما يتعلّق بالمقاربة التاريخية الثاقبة للصراع العربي الإسرائيليّ والتي ارتبطت باسم مؤسس تونس الحديثة الحبيب بورقيبة منذ خطابه في أريحا عام 1965.
وكل هذا يطرح على الشعب التونسيّ اليوم مهامَ إضافية، تتصل بحماية المسار الديموقراطيّ الاعتداليّ لثورته المخمليّة، والتأهّب بشكل واع وسريع لمواجهة أي انحراف لهذه الثورة في إتجاه ممانعاتيّ أو معاد للبورقيبية. فالتحدي أمام الشعب التونسيّ اليوم يتلخّص بهذه المعادلة: إحياء التقاليد البورقيبية في إطار ديموقراطيّ.
وهذا يعني وجوب إنبثاق إطار دستوريّ حداثيّ قائم على حقوق الإنسان وتداول السلطة وإقتصاد السوق المضبوط إجتماعياً وفي إطار الدولة الأمّة، على أن يكون إطاراً ثابتاً على اعتداله الاستراتيجيّ عربياً وشمال أفريقياً، وساعياً ضمن هذا الاعتدال للدفع باتجاه التطوّر الديموقراطيّ الليبراليّ والاحترام المتبادل للسيادة عربياً والحلّ السلميّ للصراع في الشرق الأوسط.
بل إنّ البورقيبية المستأنفة بشكل ديموقراطيّ هذه المرّة هي حاجة تتجاوز تونس نفسها هذا لو أرادت القوى الديموقراطيّة والليبراليّة في العالم العربيّ أن تتعرّف على نفسها في نموذج تاريخيّ تنهل منه، بالتوازي مع نموذج الثورات المخملية الذي تحاول قدر المستطاع الاقتباس منه في شكل سيبقى محكوماً بتشوّهات بنيوية وصعوبات ليسَ أقلّها ندرة العناصر الديموقراطيّة في العالم العربيّ وفي الثقافة العربيّة مقارنة بوفرة العناصر المعادية للديموقراطيّة، ووفرة العناصر المحاكية أو الباعثة للفاشية.
ورغم هذه الندرة في العناصر الديموقراطيّة والليبراليّة، فإنّ الإرهاصات التي نجدها من خلال ثورة الأرز اللبنانيّة والمخاض التعدّدي العراقيّ وثورة الياسمين التونسيّة هي إرهاصات تستأهل التفكير النقديّ الإيجابيّ، الذي لا يخفي الطابع المزدوج لعلاقته بقضية الاعتدال الاستراتيجيّ في ما عنى القضايا المتفجّرة في هذه المنطقة: فالتفكير النقديّ الإيجابيّ وبالقدر نفسه الذي ينحاز فيه إلى الاعتدال الاستراتيجيّ بدلاً من إستراتيجية الممانعة، فلا أوهام لديه لجهة إمكان التطوّر الديموقراطيّ التلقائيّ للنظام الرسميّ العربيّ ككل، وهو إن كان يرى في الثورات المخملية الشكل الوحيد الممكن للتغيير الديموقراطيّ في هذا الإطار، ويضغط بهذا الاتجاه، ويرحّب بكل بادرة من هذا النوع، رغم كل المخاطر والتداعيات، فإنّه يحرص هنا أيضاً على تقنين الأوهام إلى الحد الأقصى، أي إلى الحدّ الذي يكون فيه بالمستطاع إنقاذ الأمل والرجاء من اليأس الذي يحاصرنا بألف وجه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.