8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحدث الكوري: الصواريخ في عصر الممانعة

إنّه لحدث مقلق للغاية ذلك الإعتداء الصاروخيّ الذي نفّذته كوريا الشماليّة على جارتها الجنوبيّة، وهو يعنينا كشرق أوسطيين إلى حدّ كبير. فكوريا الشماليّة هي منذ سنوات عديدة النظام القدوة في عالم الممانعة، وكوريا الجنوبية يفترض بها هي الأخرى أن تكون قدوة بالنسبة إلى كافة الشعوب الأسيويّة والشرقيّة على طريق التطوّر الحضاريّ والإقتصاديّ كما التحوّل الديموقراطيّ.
والإفتراق هنا يجد تعبيراً وافياً عن نفسه على الصعيد العلميّ التكنولوجيّ في الدرجة الأولى.
فكوريا الشماليّة هي قدوة الممانعين بالإستناد إلى طبيعة برنامجها النووي وكامل برامجها التسلّحية وبالأخص الصاروخيّة منها. بل أنّ كوريا الشماليّة تمثّل النموذج الأمضى لـوثنيّة الصواريخ في عصر الممانعة. والممانعة على هذا الصعيد ترى أنّها إن كانت لا تستطيع أن تفكّر حتى في منافسة التفوّقين الجوّي والبحريّ للمنظومة الأطلسية وأذرعتها وإمتداداتها عبر العالم، إلا أنّه بمستطاعها زعزعة تلك الهيمنة المعقودة اللواء لسلاحي الجوّ والبحر، وللترابط العضويّ بين الجوّ والبحر، في التاريخ الإستراتيجيّ العسكريّ المعاصر.
وفي المقابل، فإنّ كوريا الجنوبيّة تمثّل نموذجاً حريّ بكافة الشعوب المتعثّرة في العالم الثالث إستلهامه لأنّه نموذج في الإعتدال والتقدّم، نجح في بناء قاعدة صناعيّة تكنولوجية متقدّمة، وتمكّنت في بضعة عقود من تحقيق معدّلات تنمويّة مجتمعية فائقة، ثم أنجزت عمليّة تحوّل ديموقراطيّ ناجحة منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
وقد يحسب المرء أنّه يمكن للنظام الكوريّ الشماليّ أن يبقى مسيطراً على لعبة الإبتزاز التي يمارسها تجاه العالم أجمع، وتجاه كوريا الجنوبية واليابان بشكل أساسيّ. وقد يجنح المحلّلون التقليديّون إلى ركن المسألة في باب الردع والردع المتبادل. وكان التحليل دائماً يجنح إلى هذه الخلاصات السهلة، إذ لم يتوقّع أحد من المحلّلين التقليديين لا الحرب العالميّة الأولى ولا الثانية ولا أي حرب اندلعت بعد نهاية الحرب الباردة.
ما يغيب عن بال المحلّلين التقليديين دائماً أنّ الحروب لا تحدث في العادة بسبب مصالح أو أطماع من أنواع مختلفة عن تلك التي تسوّى مسألتها بالسياسة أو بالمواجهات المحدودة، ولا بسبب استعصاء السياسة أو عدم جدوى المواجهات المحدودة، إنّما الحروب تندلع كما يندلع كل عنف أمام أعيننا صبحاً ومساء: من الإفتقاد إلى السيطرة على لعبة الردع المتبادل. وهذا الإفتقاد للسيطرة على مسار الأمور هو فعلاً ما يهدّد العالم اليوم لأن التحدّي الأساسيّ الذي يطرح نفسه من شرق آسيا إلى غربها هو معرفة مدى السيطرة على مسار الأمور حربأً أو سلماً من قبل المجتمع الدوليّ كإطار قانونيّ سياسيّ ومن قبل المنظومة الاطلسية كإطار يعكس معادلة أولوية سلاحي الجوّ والبحر على سلاح البرّ.
الحروب ليست أبداً حتمية. وإندلاع حرب في شبه الجزيرة الكوريّة ليس حتمياً أبداً، لا بل أن العوائق التي تحول دون ذلك كثيرة. لكن المسار العالميّ يرفع درجة القلق، يرفع درجة التشكيك بقدرات المجتمع الدوليّ والمنظومة الأطلسيّة على السيطرة، ويرفع معها مستوى التحدّي، لأنّه، وبالأخص بعد فترة الركود العالميّ التي نشهدها على غير صعيد وتحت اكثر من يافطة، فإنّ الإحتمالات الكارثية تصير أكثر من واقعية. الكارثة تصير حتمية عندما تصبح السبيل الذي ينبغي أن تسلكه الحيوية لنقض الركود.
وما من فكرة في التاريخ إلا وظلّت تحتال وتحتال حتى تجرّب نفسها بشكل مباشر في آخر الأمر. وهذا يصحّ أكثر في العصر الحديث، ويزداد خطورة في عصر العولمة.
قبل فكرة الممانعة، أي في أيّام الحرب الباردة، كانت المبارزة لا تزال محكومة بثنائية إمبراطوريّة البرّ الشيوعية في مواجهة إمبراطوريّة البحر الرأسمالية. امتلكت الإمبراطوريّتان السلاح النووي بكميات ضخمة. لكن إمبراطوريّة البحر بقيت أكثر قدرة على التحرّك حتى في هذا الإطار الإفتراضيّ نظراً لتفوّقها الجوّي البحريّ، وكان الإمتحان الرئيسيّ هو أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا. من يومها كسبت إمبراطوريّة البحر الحرب الباردة.
بعد سقوط إمبراطورية البرّ السوفياتية، تحاول منظومة الممانعة أن تبتكر معادلات جديدة وهي إيجاد مساحات لإختراق الهيمنة الأميركية والأطلسية من خلال تطوير ترسانات صاروخيّة إقليميّة، والعمل على تصنيع السلاح النووي، ويتصل بذلك بشكل أو بآخر نموّ شبكات الإرهاب الدوليّ. فبالصواريخ الإقليميّة، والبرامج النووية التسلّلية، وشبكات الإرهاب الدوليّ، يراد ضرب الهيمنة الجوّية والبحريّة الأميركية والأطلسية من خلال ضرب فعاليّتها في التحّكم بالسلام العالميّ. فما هو المدى التجريبيّ الأقصى لفكرة الممانعة هذه؟
طبعاً لن يتأخر عدميّو العولمة البديلة عن الإتيان بحجج تنصر كوريا الشمالية في وجه الإمبريالية. وهذه مفارقة المفارقات: كانت كل الأمنية الماركسية فيما مضى هي بناء قواعد صناعية، وكان المعيار الإنتاجيّ هذا، على علاته، هو المعتمد. أما اليوم فإنّ تدمير القواعد الصناعية هو الأمنية الحقيقيّة للتفكير الممانعاتيّ الذي يحتج في الوقت عينه على إحتكار الرجل الأبيض للسلاح النووي.
وهذا البؤس من على اليسار ينضمّ إلى وعي شقيّ من على اليمين، وعي يتفاءل بأنّ زمن الحروب انتهى إلى غير رجعة لأن الرّدع المتبادل مضمون من تلقائه. مثل هذا التفاؤل هو نذير شؤم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00