من نافل القول انّ السياسة الخارجية تشغل حيّزاً متواضعاً في الإستحقاقات الإنتخابية الأميركيّة، وبالأخص في الإنتخابات التشريعية النصفية، كتلك المقرّرة مطلع الشهر المقبل. وإذا كان من الممكن إحتساب الإهتمام الأميركيّ بالحرب على العراق بمثابة الاستثناء (النسبي) في هذا المجال، فإنّ حيّز التناول الإنتخابيّ للحرب المستعرة التي تخوضها القوات الأميركية في أفغانستان والباكستان يبقى ثانوياً للغاية اليوم، وكذلك الإهتمام بالحرب الدائرة رحاها على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، في أراضي المكسيك، ضد العصابات، والتي ترتفع حصيلتها الدموية بشكل فظيع، وقد تسببت بمقتل مئات الأميركيين.
مع ذلك، فإنّ الأمور باتت متداخلة بشكل آخر. فإذا كان الإهتمام بقضايا السياسة الخارجية ثانوياً ولن تتحدّد خيارات الأميركيين الإنتخابية على أساسه، فإنّ قضايا السياسة الداخلية الأميركية اقتربت من أن تكون من النوع نفسه الذي كان يعدّ سابقاً محصوراً بقضايا السياسة الخارجية، أيّ أنّ المعضلة الأمنيّة الإثنية الثقافية - الدينية باتت من صلب المسائل الداخلية التي يتحدّد على أساسها توجه الناخبين. والمعضلة الإقتصادية لم تعد من النوع الذي يغيّب الصدام الحضاريّ، وإنّما من النوع الذي يحدّد المجال الذي سيخاض فيه هذا الصدام بالدرجة الأولى بالنسبة إلى الأميركيين: هل داخل الولايات المتحدة أم خارجها؟
وإذا كان لا بدّ للولايات المتحدة بعدَ حصيلة حربَيها في أفغانستان والعراق، وفي إثر الأزمة الإقتصادية العالمية، من انطوائية ما، فإنّ حدّة الإستقطاب الحالي بين الجمهوريين والديموقراطيين، والظواهر الجديدة للمتصلّبين داخل الحزب الجمهوريّ، إنّما تفيد انّه ليس بديهياً أبداً أن يبقى النموذج الصالح للانطواء هو نموذج الرئيس باراك أوباما، التعدّدي الثقافيّ، الخلاسيّ الليبراليّ. بل إنّ الانطواء من موقع اليمين والمحافظة والعائلة قد يجنح اليه الأميركيون.
فما حصل في ظلّ العولمة، هو أنّ الإتجاهات إلى الإنطواء على الداخل قد برزت في السنوات الأخيرة أملاً في التهرّب من مشكلات السياسة الخارجية التي لم تفلح الحرب على الإرهاب كثيراً في معالجتها، والتي ضيّقت عليها الأزمة الإقتصادية الخناق. الا أن المشكلات نفسها عادت وطرحت نفسها في شكل مشكلات داخلية. مشكلة المهاجرين. مشكلة الإندماج. مشكلة القيم. وفي أميركا تحديداً، مشكلة الهوية الدينية الثقافية للرئيس، وحتى مشكلة ضميره، وما إذا كان يمارس تقية ما، في مكان ما، وقبل كل شيء أين ولد وترعرع.
وما إعلان المستشارة الألمانية انجيلا ميركل عن فشل سياسة التعدّدية الثقافية مع المهاجرين غير مؤشّر يتخطّى حدود بلد بعينه، ليسمى مشكلة حضارية كبرى. انها تنعى بمعنى آخر، الإختلاط الثقافيّ السلميّ في العالم كلّه.
هذه المشكلة الحضارية الكبرى كانت تطرح نفسها كسياسة خارجية، وكحروب خارجية. كان الرئيس جورج بوش الإبن قد طرح حلاً لها في صيغة حرب عالمية ضد الإرهاب في اثر هجمات 11 أيلول. وكانت النتيجة أنّ الغرب كلّه شارك أو بارك الجولة الأولى (أفغانستان) لكن الإجماع الغربي انفضّ سريعاً عن الجولة الثانية (العراق) ولم تنته لا الجولة الأولى ولا الجولة الثانية بعد، لكن الحرب العالمية ضدّ الإرهاب باتت وكأنها علّقت في منتصف الطريق، أو كأنها مستمرّة بصمت في أفغانستان والباكستان. وشعوب الشرق الأوسط تتجرّع اليوم الآثار السلبية للتدخّل غير المتمّم، ونصف المعلّق ونصف الصامت اليوم، كما تحاول أن تحافظ على المكتسبات الديموقراطية الإيجابية لهذا التدخّل. والمفارقة هنا أن المشروع الإيراني يحاول هو الآخر التأسيس على الآثار السلبية مع مصادرة المكتسبات الديموقراطية الايجابية لمصلحته حيث أمكنه ذلك.
أمّا إسرائيل، وبعد أن استفادت من الشعار العالميّ لمكافحة الإرهاب للقيام بحربين عدوانيتين على لبنان ثم غزّة، فإنّها كانت البادئة في اعتماد السياسة الجديدة التي تتعولم اليوم: أي سياسة الإنطواء على الداخل لفرض الأمن الثقافيّ.. وهذا يتمّ في إسرائيل من موقع اليمين وأقصى اليمين، وبشكل يزيد التناقض بين يهودية الدولة وديموقراطيتها في نفس الوقت الذي يصار إلى الدمج التعسفي بين هذين البعدين، كفريضة ولاء.
وهذه الإنطوائية المحافِظة إذ أطلت في إسرائيل من موقع فرض الولاء ليهودية الدولة، وأطلّت في ألمانيا من موقع رفض سياسة التعدّدية الثقافية مع المهاجرين، فإنّها تطلّ من خلال عتاة المحافظين اليوم في أميركا، الذين يتميّزون عن المحافظين الجدد بأنّهم يطالبون لا بالتدخّل في ما وراء البحار، وإنّما بممارسة السياسات المحافّظة داخل المجتمع الأميركيّ، وهم يطبّقون على طريقتهم شعار لينين سنجعل السياسة مهمّة كل ربّة منزل. ذلك أنّ ربّة المنزل المحافظة المثالية، على نسق سارة بيلين، هي بالنسبة لهم، تساوي السياسة كلّها الداخلية منها والخارجية.
الكلّ يحاول أن يطبّق سياسة أمن حضاريّ داخل مجاله الحيويّ. لكنّ إذا كان مجتمع الدولة - الأمة هو المجال الحيويّ للسياسات الأمنية الحضارية الإنطوائية بالنسبة لألمانيا وأميركا، فإنّ المجال الحيويّ مختلف بالنسبة إلى إسرائيل وايران. بالنسبة لإسرائيل، هو مجال حيويّ استيطانيّ، الامر الذي يجعل سياستها في الأمن الحضاريّ سياسة في الأمن العنصريّ. وبالنسبة لايران، هو المجال الإقليميّ ككل، مجال الأمّة جمعاء، الأمر الذي يجعل سياستها في الأمن الحضاريّ سياسة توليد الفتنة المذهبية، والحيلولة دون أن تكون الدول العربية المحيطة بإسرائيل على جانب من الإستقرار الكيانيّ، وأن يكون الفلسطينيون على قدر من الإتحاد الوطنيّ.
وهذا يعني بشكل آخر، أنّ المنحى الانطوائيّ لسياسات الأمن الحضاريّ لن يلبث أن يخلي الساحة للمنحى التدخّلي، ولكن بعد حين.. أي بعد أن يكون الأمن الحضاريّ قد فعل فعله في كل واحد من المجالات الحيويّة المعنية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.