على الرغم من مظاهر الضعف المعروفة سواء لدى الأنظمة الرسمية العربية المعتدلة أو لدى النخب الليبرالية العربية فإنّه يبقى لهذه الأنظمة كما لهذه النخب، أنّها أكثر قدرة على تشخيص طبيعة التحديات في المنطقة، وما ينبغي فعله بإزاء منظومة الممانعة كما بإزاء الصراع العربيّ الإسرائيليّ أكثر بكثير من الغارقين في الأيديولوجيا الإستشراقية البدائية غرباً، بوجهيها العدائيّ أو المحابي للشعوب العربية والإسلامية.
في المقابل، ليس هناك ما يؤشّر على حجم الأزمة التي يتخبّط فيها العالم أجمع أكثر من التوتّر الثقافيّ الذي انفجر في وجه إدارة الرئيس الأميركيّ باراك أوباما والديموقراطيين عشية الإنتخابات النصفية، على خلفية مشروع بناء مسجد بالقرب من غراوند زيرو وغيرها من مسائل متّصلة، ووصولاً إلى توجيه السؤال أكثر فأكثر عن صنف الإيمان الدينيّ الذي يظهره أو يخفيه أوباما، بحيث لا يغدو من المستحيل أن تكون خاتمة وعود التغيير التي صاحبت انتخابه جلسة استماع قضائية بهذا الشأن، أو هكذا يمكن توقّع أهداف السياسة المنهجيّة التي يتبعها عتاة المحافظين في هذا الإطار.
بيدَ أنّ العالم خارج أميركا لا يسعه انتظار المسار الداخليّ لهذا التوتّر الثقافيّ المشار إليه والذي يتخذ بعضه صفة رُهاب الإسلام أو الإسلاموفوبيا، والذي يتخذ بعضها في المقابل صفة محاباة الشعوب. بل يلتقي كل من هذا الرُهاب وهذه المحاباة على انتهاج سياسات خارجية أقلّ ما يقال فيها، وفي البال منطقة الشرق الأوسط، إنّها غير معنية لا بدعم منظومة الإعتدال في وجه الأنظمة المتطرّفة ولا بدعم مسيرة النفاذ الديموقراطيّ بإتجاه هذه المنطقة.
فمن هو مأخوذ بـالرُهاب أصبحَ يشكّك بدوره في أميركا بنتائج التغيير السياسيّ في العراق وأفغانستان. وهكذا اختفى جيل المحافظين الجدد الذي كان يتفاءل باحتمالات الزرع الديموقراطيّ في هذين البلدين، وراجت في المقابل أطروحات عتاة المحافظين الذين يتشاءمون بالحصيلتين العراقية والأفغانية، ويستنكرون أن تكون أميركا قد قامت بكل ما قامت به كي ينبثق بعد ذلك نظامان يرتكزان بشكل أو بآخر على الشريعة الإسلامية، بل يتحالف أحدهما مع إيران ويسعى ثانيهما إلى المصالحة مع حركة طالبان. من هنا، فإذا كان المحافظون الجدد قد ربطوا حماية إسرائيل بسحب احتكار الديموقراطية منها في الشرق، فإنّ المحافظين القادمين هؤلاء يصرّون أكثر من إسرائيل نفسها على دورها الإستثنائيّ.
أمّا من هو مأخوذ بـالمحاباة فهو يأخذ بدوره منحى أقلّ ما يقال فيه أنّه تجريبيّ غير مضمون. وهذا مثال ستيفن كينزر وكتابه الذي حرّك جدلاً في أميركا، إذ هو يدعو إلى قيام تحالف أميركيّ تركيّ إيرانيّ أي بمعنى آخر إلى بعث حلف السنتو أو حلف بغداد مقلّلاً من العائق الذي يمثّله كل من النظام الأيديولوجيّ والبرنامج النوّوي في إيران وممتدحاً بشكل غير نقديّ تجربة العدالة والتنمية في تركيا. ويدعو كينزر إلى قيام مثل هذا التحالف على حساب كل من العلاقات الأميركية الإسرائيلية والأميركية العربية.
من ناحية، ثمّة رُهاب لا يحسن التفريق بين المنطلقات الدينية والمنطلقات الأيديولوجيّة، ويعتبر أنّ التخليط القائم على أرض الواقع في العالم الإسلاميّ بين هذه المنطلقات هو سبب كاف لخلط تام من قبل الغرب بحيث لا يجري التمييز بين مسلمين وإسلاميين، وبين معتدلين ومتطرّفين، وبين ديموقراطيين وشموليين وبين ليبراليين وشعبيين، وبحيث تحمّل إسرائيل بالنتيجة ما فوق طاقتها أي يرمي الغرب مشكلته عليها، وتعود هي فترمي مشكلتها عليه.
ومن ناحية أخرى ثمّة محاباة تتعامل مع المنطلقات الأيديولوجيّة، وخصوصاً تلك التي يرفعها النظام الإيرانيّ وحلفاؤه في المنطقة، على أنّها من قبيل البيع والشراء السياسيّ، وأنّها مرهونة بحسابات براغماتية مصلحيّة، وبالتالي يمكن الترويج حتى للإنتقال من حالة العداء إلى حالة التحالف مع إيران، وعلى قاعدة أنّ المصالح الجيو- استراتيجية لإيران وتركيا لم تتبدّل كثيراً منذ أيّام حلف بغداد وإلى اليوم، ولها الأولوية على كل الشعارات الأيديولوجيّة.
النتيجة الإجمالية لثنائية الرُهاب والمحاباة تلك هي إضعاف المعتدلين العرب والليبراليين العرب، كما إضعاف المعتدلين والليبراليين في تركيا وإيران. يتحّد الرّهاب مع المحاباة للقول أنّ كلّ تجربة الإصلاح الدينيّ منذ جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده وإلى اليوم ليس لها معنى، فالمصاب بـرُهاب الإسلام في الغرب يقول أنّ لا شيء يتغيّر والعداء ينبغي أن يتجذّر، في حين أنّ المحابي يقول بدوره أنّ لا داعي لهذا الإصلاح من أصل، ما دام يمكن التفكير جيو- استراتيجياً في إعادة خلق شرق أوسط جديد على قاعدة التحالف مع إيران الخمينية وتركيا الأردوغانية. طبعاً يمكن للمصابين بالرهاب كما المحابين استخدام الحجّة نفسها المتّصلة بتعطّل أسباب الإصلاح الدينيّ في العالم العربيّ.
كذلك يتّحد الرُهاب مع المحاباة في إضعاف فكرة السلام في الشرق الأوسط. فالمصاب بـالرُهاب يقول بدعم عدوانية إسرائيل أكثر من أي وقت، والمحابي على طريقة كينزر يقول إنّه ينبغي لأميركا ألا تعير الإهتمام نفسه سواء للعرب أم لأعدائهم الإسرائيليين بعد اليوم، وأن تدير الشرق الأوسط بالشراكة مع تركيا وإيران، وصولاً حتى إلى الإنفتاح على خيار إيران نووية بشكل أو بآخر.
فما يحدث الآن هو تعطّل قدرة أميركا على التحديد الواضح لأصدقائها وأعدائها، وهو ما يعود بالتحديد إلى ما انبثق عن ظاهرة اوباما من طغيان لسياسة تحسين صورة أميركا في العالم على حساب سياسات تأمين أميركا لمصالحها الحيوية عبر العالم كما على حساب ثوابت الحداثة الغربية. ومن العجب العجاب أن يكون تحسين الصورة متصلاً بالإمتناع عن الدعم المطلوب لـالتوسّع الديموقراطيّ بإتجاه الشرق، والإمتناع عن الدعم المطلوب للمعتدلين والليبراليين في وجه الشموليين والشعبويين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.