لم يعرف الصراع العربي الإسرائيلي طريقه إلى الحسم لا بموجب حرب نهائية شاملة ولا بموجب تسوية نهائية شاملة. لكن حصيلة العقود التي مرّت على هذا الصراع تظهر لنا تراجعه وبروز نمط آخر من الصراع بين إسرائيل من جهة وبين ثلاث دول كبيرة، إسلاميّة غير عربيّة، بعيدة جغرافياً عن الدائرة القومية والجغرافية للصراع العربيّ الإسرائيليّ.
فلئن كانت مرحلة الحروب النظامية الإسرائيلية العربية هي أساساً مرحلة الحروب بين إسرائيل وبين ما كان يعرف بالأنظمة التقدميّة العربيّة، وفي طليعتها النظام الناصريّ، فإن المفارقة الكبرى في يومنا هذا أنّ الصراع البارز حالياً هو بين إسرائيل وبين الدول الإسلامية غير العربيّة الثلاث، الباكستان وإيران وتركيا، التي شكّلت على امتداد فترة الحروب النظامية الإسرائيلية العربية، حلف بغداد، أو حلف المعاهدة المركزية (السنتو) كما اشتهرت تسميته، بعد انفصال العراق عنه في إثر ثورة 14 تمّوز 1958 وسقوط الملكية الهاشمية. كانت الغاية من هذا الحلف احتواء المد السوفياتي في الشرق الأوسط ومواجهة الأنظمة الصديقة لموسكو.
لكن الصراع في الشرق الأوسط اليوم يكاد يكون بين اسرائيل الصهيونية من جهة وبين الدول المنضوية سابقاً في حلف السنتو من جهة ثانية. طبعاً، ثمة فارق أساسيّ بين السياقات الباكستانية والإيرانية والتركية لتوظيف القضية الفلسطينية والصراع مع اسرائيل. فالباكستان النووية قامت منذ زمن طويل على مواءمة أيديولوجية بين قضية فلسطين وقضية كشمير. وعلى الصعيد الإستراتيجي، دخلت اسرائيل على خط الصراع الهندي الباكستاني خصوصاً من خلال التعاون العسكري المتعاظم بين الهند واسرائيل. وإيران الساعية وراء النووي أحيت في أيديولوجية ثورتها الإسلامية فكرة تدمير الكيان الإسرائيليّ في مقابل الإجماع الرسميّ العربيّ على مبدأ التسوية، كما ابتكرت قضية فلسطينية مبنية على الميثولوجيا الإيرانية القديمة للصراع بين الخير والشرّ، ومختلفة عن تلك القضية الفلسطينية التاريخية، بنت الحركة الوطنية الفلسطينية التاريخية. أما تركيا، غير النووية، لكن الأطلسية، والتي كانت العلاقات الديبلوماسية بينها وبين اسرائيل عنواناً لطيفاً لتحالف عسكريّ وثيق، فقد عرفت، مع حزب العدالة والتنمية استراتيجية أسلمة تدريجية من فوق ومن تحت، وقد استندت هذه الأسلمة التدريجية للدولة والمجتمع التركيين، على إعادة إنتاج إسلامية تركية للقضية الفلسطينية، من بعد إعادة الإكتشاف الإسلامية التركية للهوية الأوروبية. وقد لعبت كل من الهوية الأوروبية والقضية الفلسطينية دوراً في تحصين تجربة العدالة والتنمية بوجه العسكر، ما مكّن هذه التجربة من إظهار منحاها العثمانيّ الإحيائيّ، الما بعد كماليّ، العامل في الليل والنهار على تفكيك العلمانيّة.
منذ الثورة الإسلامية في إيران اختفى رسمياً حلف المعاهدة المركزية السنتو. لكن الثورة الإسلامية شكّلت تحوّلاً أساسيّاً من حيث أنّها أعلنت تراجع الصراع العربي الإسرائيلي لصالح تصاعد التناقض بين اسرائيل والدول الإسلامية غير العربية، وهو ما انعكس بالنتيجة على السياقات المختلفة للباكستان وإيران وتركيا. من جهة، وقّعت أكبر دولة عربية صلحاً منفرداً مع اسرائيل، وجرى تسكين جميع جبهات القتال النظامية العربية الإسرائيلية، وجرى تدمير الترسانة العسكرية العراقية، ثم احتلال العراق، وجرى انهاء الطابع المستقل للقضية الفلسطينية كما مثّله عرفات. وفي المقابل، تصاعدت نظريّتان إسلاميّتان غير عربيّتين لخوض الصراع: واحدة من موقع الغلوّ، ويمثّلها محمود أحمدي نجاد، وثانية من موقع الإعتدال المختلط بالإحيائية العثمانية، ويمثلها رجب طيب أردوغان. واحدة تتخذ من تجربة حزب الله ميداناً لتصدير نموذجها. وثانية تتخذ من قطاع غزّة مختبراً لتوليد نموذجها.
من كان ليتوقع في الخمسينيات والستينيات أنّه وبدل مشهدية أنظمة وحركات تقدمية عربية تتصدّى للإستعمار الصهيونيّ، ستحلّ مشهديّة التواجه بين اسرائيل من جهة وبين الدول التي انضوت سابقاً في حلف السنتو؟ طبعاً، الوجه الآخر للمفارقة أنّ الصراع عن بعد هو السمة العامة للتناقض بين اسرائيل والبلدان المنضوية سابقاً في حلف السنتو.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.