8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المناصفة مشروع ديانة مدنية للبنان

ليست المناصفة مجرّد ضمانة يطلبها المسيحيّون من المسلمين أو ضمانة يعرضها المسلمون على المسيحيين. المناصفة، لو تكرّست ميثاقياً وكيانياً في لبنان، هي وحدها القادرة على تخطي منطق الضامن والمضمون، وثنائية القلق والإطمئنان. إنّها أهم من ذلك بكثير. إنها فكرة يمكن على أساسها التقدّم خطوات جبارة على طريق بناء لبنان كدولة أمّة.
فالمناصفة تعني أولاً أنّه آن الأوان لتجاوز مرحلة المشاريع الهيمنية الفئوية التي رفعتها الطوائف التاريخية في لبنان الواحدة تلو الأخرى. كما أنّ المناصفة فكرة تنقض الوهم بأنّه لا مخرج من المشاريع الهيمنية الفئوية، وما يرادفه من وهم آخر يتصوّر أنّ المخرج الوحيد يكون بالإنتصار النهائي والشامل لمشروع هيمني فئوي على ما عداه، بحيث يستطيع مشروع الحسم الكليّ هذا إلغاء الطائفية بالشكل الذي يضمن هيمنته الإثنية المذهبية.
تعود أهمية شعار المناصفة في هذه المرحلة بالذات إلى سببين: شعور بأنه آن الأوان لكي يخرج لبنان من دائرة توالي المشاريع الهيمنية لطوائفه الواحدة بعد الأخرى. وشعور مرادف بأن فكرة المناصفة كفيلة بتجاوز آخر مشروع هيمني فئوي يطرح نفسه من خلال ترسانة ديموغرافية أيديولوجية مسلّحة.
المناصفة تعني أنّ الحل الوحيد لتجاوز مرحلة المشاريع الهيمنية الفئوية في التاريخ الوطني، هو تحويل الثنائية الإسلامية المسيحية إلى ما يعادل الديانة المدنية للبنان.
الديانة المدنية هو مفهوم مركزي في فكر جان جاك روسو، ونخاله مفهوم مركزي لإعادة فهم معنى المناصفة، ولجعل المناصفة ميثاقاً كيانياً يتيح العبور إلى الدولة في لبنان. تعني الديانة المدنية بحسب روسو أنه على الدولة المدنية المؤلفة من مواطنين أن تصطفي جملة سمات دينية رمزية مشتركة تتيح تكريس انتماء المواطنين للدولة، كما تتيح تكريس التسامح الديني داخل هذه الدولة. إننا نخال أن لبنان يحتاج إلى إعتماد هذا المفهوم، بل إن مواداً كثيرة من دستوره تؤكده أنه يعتمد من الأساس، لكن تجذير هذا المفهوم وتوسيع مداركه لا يكون إلا بفهم حقيقة أن المناصفة الإسلامية المسيحية هي أكثر من ضمانة موقتة أو دائمة تطالب بها طائفة أو تغدقها طائفة على أخرى. إن المناصفة الإسلامية المسيحية هي الديانة المدنية الوحيدة الممكنة بالنسبة إلى لبنان. وإن حمل مشروع المناصفة من حيث هي كذلك هو في الحقيقة المشروع الفكري والسياسي الوحيد الذي ينبغي أن تنهض وتستمر وتتألق الحركة الإستقلالية على أساسه.
من هنا، فإن أموراً عديدة حصلت في السنوات الأخيرة وعزّزت الميل إلى إيجاد مساحة ديانة مدنية مشتركة، هي أساس حيوي وأخلاقي لا غنى عنه لقيام الدولة الحديثة بحسب روسو. فقسم جبران التويني مثلاً كرّس النظرة الثنائية إلى الوطن اللبناني كوطن ميثاقي نهائي بين المسلمين والمسيحيين. ومبادرة رئيس تيار المستقبل عشية الإنتخابات النيابية إلى رفع المناصفة كشعار أساسي أفصحت عن المضمون الدستوري لهذه الثنائية. كذلك فإن المبادرة إلى جعل عيد البشارة عيداً مشتركاً لكافة طوائف لبنان عزّز هذا الميل لتكريس المناصفة الثنائية الإسلامية المسيحية كديانة مدنية للبنان. كذلك فإن الإنتخابات البلدية الأخيرة عزّزت مفهوم المناصفة.
لأجل ذلك، ينبغي على الإستقلاليين والدستوريين اللبنانيين، أن لا يشعروا بالحرج بعد الآن حين يشعرون بأنهم متضايقين من شعارات الغاء الطائفية أو العلمانية وغير قادرين على مجابهة هذه الشعارات في الوقت نفسه. المنطق السليم يقول بالحقيقة بمواجهة هذه الشعارات. الغاء الطائفية والعلمانية هي مسميات لديانات مدنية أخرى لا يمكن تطبيقها في لبنان إلا على أساس اضطهاد طائفة لطائفة أخرى، أو اجبار طائفة ما عن الإنسلاخ عن بعض دينها. بعكس هذه الشعارات، فان المناصفة الإسلامية المسيحية، بالشكل الذي يؤسس لها الطائف، وبالشكل الذي تكرسه تركة سنوات النضال الإستقلالي، إنما تقدم الديانة المدنية الوحيدة التي تناسب لبنان، والتي تسوّغ بالأساس وجود لبنان ورسالته، وتعطي لهذه الرسالة طابعاً ملموساً، معيوشاً، حقيقياً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00