8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حيرة العدو: الضعف الذاتي يصنع حدوده بنفسه

أخفقت آلة الحرب الإسرائيليّة وبشكل ذريع في تمّوز وآب 2006، ولم تتمكّن آلة الحرب هذه من ترميم صورتها في عدوانها على قطاع غزّة في نهايات العام 2008. رفع العدوان الأخير الفاتورة الأخلاقيّة لجرائم الحرب الإسرائيلية، إلا أنّه لم يدفع الدولة الصهيونيّة إلى استكمال تقرير فينوغراد أو تجاوزه.
ورغم الخيبة المتفاوتة للحملتين العسكريتين، فقد استطاعت الدولة المعادية أن تحظى بنتيجتهما بوضعيّة إستقرار أمنيّ، منذ أربع سنوات بالنسبة لحدودها الشمالية ومنذ عام وبضعة أشهر بالنسبة إلى حدودها مع قطاع غزّة. لأوّل مرّة منذ 4 حزيران 1967 علّقت تماماً جميع جبهات القتال العربية مع اسرائيل، منذ وقف النار في قطاع غزّة، بتاريخ 18 كانون الأوّل 2009.
وكانت النتيجة المزدوجة لخيبة الحملتين العسكريتين من ناحية، ولتعليق جميع جبهات القتال من ناحية أخرى، أن سادت المفارقة التالية في إسرائيل اليوم: عدم استقرار وجدانيّ، بل عدم استقرار وجوديّ، في مقابل استقرار أمنيّ. والمفارقة الثانية أنّ إسرائيل تحار في أمر هذا الإستقرار الأمنيّ الذي حصلت عليه بنتيجة خيبتين عسكريتين: فهل هو استقرار ينبغي أن تحافظ عليه بحيث يكون الصراع العربيّ الإسرائيلي قد حُسِمَ نهائياً مع تعليق جميع جبهات القتال مع اسرائيل ومع تشظّي الحركة التحرّرية الفلسطينيّة، أم أنّه إستقرار العار بالنسبة إلى اسرائيل عامة، وبالنسبة إلى جيشها خاصة، بل استقرار يسمح بتنامي قوّة أعداء إسرائيل في المنطقة؟
هذه الحيرة هي المصدر الأساسيّ للضعف في إسرائيل اليوم. وهذا يعني أنّ الضعف الإسرائيليّ ذاتيّ أكثر مما هو ضعف موضوعيّ.
إنّه ضعف القدرة على إتخاذ القرار أكثر مما هو ضعف في القدرات. ومثل هذه الوضعية تفسح المجال للأكثر تطرّفاً لأن يحكم إسرائيل اليوم، لكنها تعيق الترجمة الميدانية لتطرّفه إلى حد كبير.. إلا إذا اختلطت الأمور على أعداء إسرائيل في المنطقة، واعتبروا أنّ ضعفها الذاتيّ هو ضعف موضوعيّ وبنوا على هذا الأساس حساباتهم وأعمالهم.
يخطئ كل من لا يقوم بالجهد المطلوب للتمييز بين المعدّل المرتفع للضعف الذاتي في إسرائيل، من حيث هي دولة حائرة في أمر استقرار أمنيّ تنعم به بنتيجة خيبتين عسكريتين، وبين المعدّل المنخفض لضعفها الموضوعيّ، كون الخيبتين العسكريتين الأخيرتين تبقيان غير كافيتين لتعديل ميزان القوى الإستراتيجي المائل بشكل قاطع إلى إسرائيل في المنطقة.
ويزيد هذا الخطأ ما هو جار على الألسن منذ حرب تمّوز 2006. من يومها لا ننفك نردّد بأنّ ما جرى كان عجز قوّة نظاميّة عن خوض مواجهة مع قوّة غير نظاميّة. وهذا صحيح، لكنه صحيح بشكل جزئيّ. ذلك أنّ الجيش الإسرائيلي لم يعرّف نفسه يوماً كقوّة نظاميّة، وإنّما كـجيش ثوريّ، كتجميع للميليشيات الصهيونية في البدء، ثم كـجيش إيديولوجيّ يستبقي في وعيه لذاته بقايا النغمة الإشتراكية التعاونية العبرية لجيل المؤسسين.
والأزمة التي يعانيها الجيش المعادي منذ حرب 2006 هي أزمة أيديولوجيّة بالدرجة الأولى. بل إنّها أزمة بدأت معالمها منذ التسعينيات عندما انقسم المجتمع الإسرائيليّ حول وثيقة روح تساحال (أي الذهنية القتالية الواجبة للقوّات المسلّحة) بين من يرى في الجيش حافظاً لتلك الأيديولوجيا الصهيونية العلمانية، وإستمرارية لتلك الإشتراكية التعاونية العبريّة، وبين من لا يرى من هويّة مقنعة ومحفّزة للجيش في هذه المرحلة إلا الهويّة المستوحاة بشكل أو بآخر من التراث التلموديّ.
والوجه الآخر لهذه الأزمة الأيديولوجيّة هو تحديد السلاح المحوريّ، ماديّاً ومعنوياً، بالنسبة إلى تفوّق هذا الجيش. منذ قيامه، كان هذا الجيش يسند قيادة أركانه إلى جنرالات آتين من سلاح البرّ، بل سلاح المصفّحات. على الرغم من الدور المركزيّ لسلاح الجوّ في كل الحروب النظاميّة التي خاضتها اسرائيل مع العرب، فقد حاولت آلة الحرب فيها أن لا تنقاد وراء إغراء الإعتماد على هذا السلاح، وظلّت تصرّ على محوريّة سلاح البرّ، بل سلاح المصفّحات. إلا أنّ هذا الإغراء تمكّن بالنتيجة من أن يفعل فعله، وكان رمزيّاً للغاية آن وصل المظليّ دان حالوتس إلى رئاسة الأركان في آب 2005، حيث شذّت اسرائيل للمرة الثانية عن مبدأ تولية المصفّحات (وكانت أقدمت على ذلك مرة واحدة قبل ذلك، أي عام 1958 مع الجنرال حاييم لاسكوف). كان رمزياً للغاية أن يرتبط إسم المظليّ حالوتس بأكبر خيبة عسكريّة في تاريخ إسرائيل، أي حرب 2006.. كما كان رمزياً أكثر أن يعود المنصب بعده، وبقوة، لـالمصفحّات، مع غابي اشكينازي.
إنّ التمعن في معاني هذه الأزمة الأيديولوجيّة التي بدأت في التسعينيات، وارتفعت حدّتها مع حرب تمّوز، يظهر مع ذلك إتجاهاً لدى المؤسسة العسكريّة يختلف عن الإتجاه لدى الطبقة السياسيّة الإسرائيليّة. فهذه الطبقة واقعة تماماً في الحيرة الوجوديّة أمام إستقرار أمنيّ ينعم به الكيان الصهيونيّ بنتيجة اخفاقات عسكريّة. أمّا المؤسسة العسكريّة فهي تبرز منحى مختلفاً للتفلت من هذه الحيرة الوجودية على قاعدة التنبه إلى الأمر الأساس: وهو أن الإستقرار الأمنيّ بالشكل القائم حالياً سوف يؤدّي إلى مزيد من التسلّح الماديّ والمعنويّ لدى القوى المعادية لإسرائيل، وأنّ هذا التسلّح الماديّ والمعنويّ المتزايد سوف يندفع بالنتيجة إلى الإصطدام مع الإستقرار الأمنيّ للكيان الإسرائيليّ.
باختصار، تحاول الطبقة السياسية الإسرائيلية أن تقنع نفسها بأنّ الإستقرار الأمنيّ المحقّق هو نفسه الجدار الحديديّ الذي نظّر له زعيم الصهيونية التنقيحية زئيف جابوتنسكي عام 1923. اعتبر جابوتنسكي يومها أن الإنعزال وراء جدار حديديّ هو الذي يحمي اسرائيل وليس الإنغماس في مفاوضات لا تنتهي، بل أن الانعزال وراء الجدار الحديديّ هو الطريق الوحيد أمام التسوية.
في المقابل، ليس بمستطاع الجيش الإسرائيليّ أن يقنع نفسه بنظريّة الجدار الحديديّ هذه، فهو المعنيّ بالدرجة الأولى بالخيبتين العسكريتين، وتحديداً خيبة 2006، كما أنّه الأكثر قدرة عملياً على فهم ما اشترطه جابوتنسكي لـجداره الحديديّ، بأن يكون الكيان الصهيونيّ قادراً على التصرّف بـلامبالاة مهذّبة تجاه جواره، أي عالم ما بعد الجدار. اللامبالاة المهذّبة مستحيلة عندما تكون الحسابات نووية. وهكذا فإن المؤسسة العسكريّة الإسرائيلية مضطرة للتعامل مع تناقض آخر، هو التناقض بين استقرار أمنيّ مؤمّن بنتيجة خيبتين، وبين استقرار نووي مهدّد بنتيجة هذا الإستقرار الأمنيّ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00