من أساسات الديموقراطيّة أن تكون الإنتخابات حدثاً دوريّاً، وأن يكون الناخب مطمئناً إلى حصول هذا الحدث في موعده، وأن يكون الناخب عارفاً بقانون الإنتخاب، وأن يكون هذا القانون على قدر من الثبات، وأن يقفل باب تعديله قبل مدّة كافية تسبق الإستحقاق.. وإلا صار تعديل القانون مادة للمبارزة الإنتخابية.
هذه الأساسات لا تراعى في لبنان، لا عند الإنتخابات التشريعية ولا عند الإنتخابات البلدية. في كل مرّة يقف إصلاح القانون الإنتخابيّ بالمرصاد. فمن خلال الطعن في القوانين الإنتخابية القديمة يجري تعطيل آليات الديموقراطية التي نمتلكها، وبحجّة طلب المزيد من الديموقراطية نخسر نصيبنا منها.
لقد أضحى الإصلاح أو التحديث أو التطوير جزءاً من لغة خشبية يسهل استخدامها في لبنان ضد آليات الديموقراطية القائمة بالفعل. يتصوّر أنصار الإصلاح أن ما يطرحونه كلمة سحرية، وأنّ التحديث ضرورة لا بدّ منها في كافة الميادين، وكيفما أتفق.
والمشكلة تكبر لأنّ المتضرّرين من الدعوات الإصلاحية عادة ما يصابون بالضعف المعنويّ أمامها، فيستنجدون بمنطق دفاعيّ تبريريّ من نوع أنّ النسبية أفضل بالمطلق من النظام الأكثريّ.. لكن ليس وقتها الآن، وتخفيض السن إلى 18 سنة أفضل بالمطلق.. لكن ليس وقته الآن وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية هو أفضل بالمطلق.. لكن ليس وقته الآن، ولبنان دائرة واحدة في الإنتخابات التشريعية أفضل بالمطلق.. لكن ليس وقته الآن.
في الواقع، كل ما ليس وقته الآن لا فضل له بالمطلق. وينبغي عدم التردّد في المصارحة بذلك. من الوهم التصوّر بأنّ الإصلاح هو قيمة تفاضلية جدّية بالنسبة إلى اللبنانيين. فباستثناء البرنامج المرحلي لـالحركة الوطنية في بدايات الحرب اللبنانية، لم يحدث أن تطوّر الإستقطاب السياسي اللبناني على قاعدة الموقف من الإصلاح. نادراً ما يقف اللبنانيون مع هذا ضد ذاك أو بالعكس، على أساس الموقف من إعتبارات إصلاحية. لا يوالون فلاناً لأنّه إصلاحيّ ولا يعرضون عن غريم له لأنّه مناوئ للإصلاح.
الإعتبارات الإصلاحية ليس لها إلا أهميّة متواضعة بالنسبة إلى اللبنانيين، وهي تأتي بعد الإعتبارات السيادية والإعتبارات الطائفية والمذهبية والمناطقية والإعتبارات الخدماتية والزبائنية. ليس هذا فقط، فغالباً ما تكون الإعتبارات الإصلاحية هي شكل آخر لطرح أو تسويق الإعتبارات السيادية أو الطائفية أو الخدماتية.
وفي سنوات الأزمة الأهلية الأربع الماضية، كان واضحاً أنّ معظم الإعتبارات والدواعي الإصلاحية التي سوّقت، إنّما كانت لذرّ الرماد في العيون، وأنّها هدفت بشكل عام للإلتفاف على أساسات الديموقراطية كلّما أقترب حدث إنتخابيّ، تشريعيّ أو بلديّ.
والمفارقة هنا مزدوجة.
فمن جهة، تجد المفارقة القائمة في قوى 8 آذار: فهذه القوى حيوية بما تطرحه من إعتبارات إصلاحية مهمومة بـهواجس تحديثية وتطويرية للنظام السياسيّ اللبنانيّ. لكن هذه القوى ترفض في الأساس الشروط الكونية لقيام أي دولة حديثة: احتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعيّ، سيادة حكم القانون على أراضي هذه الدولة، حقّ الدولة في أن يكون لها ديبلوماسيتها، امتلاكها لقرار الحرب والسلم. الحيوية الإصلاحية لقوى 8 آذار تذكرنا بمشكلة مشاكل العالم الثالث: شيوع أنماط لا حصر لها من التحديث القسريّ أو غير الواعي لشروطه، وندرة الحداثة التي عنوانها الأبرز هو قيام الدولة - الأمة، وانبثاق الفرد المواطن في ظلّ هذه الدولة.
في المقابل، يفترض بقوى 14 آذار أن تحمل مشروع الحداثة السياسية (الدولة الأمة والفرد المواطن)، لكن كي تحمله بقوّة وصلابة، ينبغي أن تكون مستعدة لمواجهة التحديث القسريّ أو غير الواعي لشروطه، أي لرفض كلّ الإعتبارات الإصلاحية المساقة لذرّ الرماد في العيون. بيد أن هذه القوى ما زالت تتأثّر بالخلط الرائج بين الحداثة والتحديث، وهو الخلط الذي بذلت الفلسفة السياسية المعاصرة منذ عقود عديدة جهوداً عديدة للتحذير منه ومن خطورته. وفي الحالة اللبنانية كما في كل الحالات الأخرى يمكن القول انّ لا رجاء في أي تحديث لأواليات اللعبة الديموقراطية، بإتجاه توسيع قاعدة المشاركة مثلاً، إلا إن انطلق هذا التحديث من مراعاة حداثة الدولة الأمّة، أي حداثة إحتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعيّ.
ينبغي أن تمتلك قوى الأكثرية شجاعة أكبر في الدفاع عن منطق الحداثة (دولة أمة وسيادة قانون وفرد مواطن) في مواجهة منطق التحديث (نسبية وتخفيض سنّ وهيئة وطنية لإلغاء الطائفية من دون حلّ مشكلة العنف الخارج عن سلطة الدولة).. ينبغي أن تمتلك هذه القوى شجاعة أكبر في التعبير عن وجه نظر محافظة لأنّها حداثوية في مواجهة إعتبارات تحديثية وإصلاحية تخدم عملياً مشروعاً فئوياً شمولياً ليس من التجنّي عليه في شيء وصفه بـغير الديموقراطيّ.
لأجل ذلك أيضاً يمكن وصف النغمة الإصلاحية بأنّها مرض في الحياة السياسية اللبنانية، وأنّ الخوف أو الحياء بإزاء هذه النغمة هما أيضاً من عوارض هذا المرض.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.